لماذا تحرص اندونيسيا على إرسال قوات إلى غزة

جاكرتا لم تفوت الفرصة ودخلت على الخط الإسرائيلي الأيام الماضية لمنع حرف مهمتها وتلويث سمعتها قبل أن يبدأ دورها.

تعجب كثيرون من حرص دولة اندونيسيا على إرسال قوات إلى قطاع غزة ضمن عملية تثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحكرة حماس. وما حوته خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق السلام في غزة.  وطرحت تساؤلات بلا إجابات شافية حول علاقة حكومة جاكرتا الواقعة في جنوب شرق آسيا بمنطقة الشرق الأوسط.
وذهبت التقديرات إلى أن اندونيسيا وقعت على اتفاق السلام في مؤتمر شرم الشيخ الدولي في أكتوبر الماضي. وهي إحدى الدول العربية والإسلامية الثمانية (مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا وباكستان واندونيسيا) التي أجرت اتصالات متلاحقة مع الجانب الأميركي لتنفيذ الاتفاق. ويحضر ممثلوها اجتماعات الدول الثمانية مشاوراتهم الهاتفية. كما وقّعت على بيانات التشجيع والرفض والادانة لما يدور في غزة. وأبدت استعدادا للمشاركة في مجلس السلام الذي يرأسه ترامب. ويمكن أن يشارك رئيسها في أول مؤتمر يُعقد في واشنطن الخميس المقبل. 
كل ذلك صحيح، إلا أن مقاربة جاكرتا لها وجه آخر خفي، بعد أن أعلنت قيامها بتدريب عدد من الجنود يتراوح بين 5- 8 آلاف لإرسالهم إلى غزة قريبا. وجه يتعلق بطموحات اندونيسيا في الشرق الأوسط والمشاركة في تفاعلاته.
ويعتمد مشروع جاكرتا السياسي على الإسلام الوسطي وما يوفره من علاقات متوازنة مع عديد من دول المنطقة من خلال التسامح والتعايش مع أصحاب الديانات الأخرى، إنطلاقا من النظرية الفلسفية التأسيسية ضمن أيديولوجيتها المعروفة بـ"البانشاسيلا". وتتألف من خمسة قواعد رئيسية، هي: الإيمان بالإله الواحد، إنسانية عادلة ومتحضرة، وحدة اندونيسيا، الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية للجميع. 
وتعد اندونيسيا من أكثر الدول التي يتحدث الإعلام الإسرائيلي عن إرسال قواتها إلى غزة مؤخرا. وكان سباقا في الإشارة إلى جاهزيتها لتأكيد استجابة تل أبيب لخطة ترامب، وأوحى أن مشاركتها سوف تكون لإقرار السلام في القطاع، ولم يستبعد أن تلعب دورا في نزع سلاح حركة حماس وحدد تمركزها في خان يونس ورفح. 
لم تفوت جاكرتا الفرصة ودخلت على الخط الإسرائيلي الأيام الماضية لمنع حرف مهمتها وتلويث سمعتها قبل أن يبدأ دورها. ووضعت مجموعة من الخطوط الحمراء، بينها حصر مهمتها في حفظ السلام وعدم المشاركة في نزع سلاح حماس، ونفت تموضعها في جنوب غزة، وأن المهمة لم تتضح تفاصيلها ولم يحدد موعد لإرسالها بعد. جاء التوضيح الرسمي على لسان رئيس الأركان الاندونيسي الجنرال مارولي سيمانونجونتاك. ما يعني أن المهمة المنتظرة حقيقية واتخذ بشأنها قرار. وتستوجب طبيعتها وضع النقاط على الحروف لمنع أي تفسيرات يمكن أن تجهضها قبل أن تبدأ. 
تريد إسرائيل جر اندونيسيا إلى رؤيتها السياسية والأمنية. وتعلم جاكرتا أن الالتصاق كثيرا بتل أبيب يحكم مبكرا بالإعدام على مقاربتها نحو الشرق الأوسط، والتي تحرص على أن تكون منسجمة مع القوى الرئيسية في المنطقة. وقد يثير التفسير الإسرائيلي المراوغ أزمات سياسية داخل اندونيسيا التي تعج بتيارات من اتجاهات مختلفة.  
يملك التيار الإسلامي، في مقدمته جماعة الإخوان، حضورا لافتا في البلاد. وتتعامل السلطة مع الإخوان وفقا لمواءمات دقيقة. لا تؤدي إلى صدام مفتوح معها أو تفاهمات تفضي إلى تبني مشروع الجماعة المرفوض من دول المنطقة.  
ولذلك تعد جماعة الإخوان في مقدمة من يشجعون جاكرتا على مشروعها حيال الشرق الأوسط، على أمل أن تكون اندونيسيا مساندة لتوجهات حركة حماس الإخوانية في الأصل، أو على الأقل غير منحازة ضدها. لكن التفكير الإستراتيجي في دواليب السلطة في جاكرتا بعيد عن حسابات الإخوان وما تنطوي عليه من دوافع خفية. والتفكير هنا محكوم برؤية تقوم على التوازن في العلاقات بين جميع الجهات بما فيها إسرائيل وحماس وكل القوى المؤثرة في المنطقة. على أمل أن تكتسب السلطة أرضا تسمح لها بنشر مشروع التسامح والتعايش الذي تطبقه منذ سنوات طويلة. 
يعتقد مسؤولون في جمعية نهضة العلماء، وهي أقوى تيار سياسي في اندونيسيا، أن الشرق الأوسط فضاء رحب يمكن أن يتمدد مشروعها العالمي من خلاله. وترى دوائر داخلها أن تدهور حالة التيار الإسلامي وتراجع دور أطيافه في المنطقة، مثل القاعدة وداعش والإخوان والسلفيين، وكل من لف لفهم، يمثل فرصة يجب استثمارها ليكون النموذج الاندونيسي وما يحمله من تسامح هو السائد في العالم خلال الفترة المقبلة. 
ذهبت ثلاثة مرات إلى اندونيسيا في السنوات الماضية، وألقيت محاضرات وشاركت في ندوات وتحاورت مع نخب سياسية وإعلامية وثقافية. لمست ميلا إلى منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها فضاء خصب يمكن أن يتمدد فيه المشروع الاندونيسي.  
وجدت ترددا كبيرا في حينه، وخشية من وقوع صدام مباشر مع جماعات دينية على خلاف كبير مع نهضة العلماء. وكانت هناك مخاوف من أن ينكسر المشروع الاندونيسي قبل أن تظهر ملامحه النهائية في المنطقة العربية. في حين أن معالمه أخذت تتضح في بعض دول شرق آسيا، مثل ماليزيا وسنغافورة. وله مريدون ومتعاطفون في كل من بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وبلجيكا والسويد وغيرهم. 
يؤكد هذا التوجه أن مشاركة القوات الاندونيسية في حفظ الأمن بقطاع غزة لها زاوية سياسية. تصب في خانة المشروع الذي يتبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب والخاص بتوسيع أطر ما يسمى بالاتفاقيات الإبراهيمية.  
وبعيدا عن القبول أو التحفظ على ما يسعى إليه ترامب من وراء هذه الاتفاقيات، فمشروع جاكرتا يأتي في صميم ما ترمي إليه من أهداف سياسية وإن لم يتم الإعلان عن ذلك صراحة. ويمكن أن تصبح مباديء "البانشاسيلا" قاعدة حيوية وتمثل حاجة لدول المنطقة وخطة ترامب للسلام ورؤيته لدعم الاتفاقيات الإبراهيمية مستقبلا، لأن المبادئ الخمسة توفر حرية الديانات للجميع وترفض تقييم الشعوب على أساس ديني. 
ما يعزز ذلك أن اندونيسيا هي الدولة الوحيدة التي أعلنت جاهزيتها علنا للمشاركة في القوات الدولية في غزة. وحددت عدد القوات الراغبة في نشرها والشروط المطلوبة. وشرعت في التواصل مع المعنيين بأمر مجلس السلام وروافده التنفيذية. ولم توجه إليها ممانعة أو تلقى رفضا صارما من أي جهة. بينما لا أحد يعلم نوعية القوات الأخرى التي ستشارك في المهمة والدول التابعة لها حتى الآن. ورأينا تحفظات من إسرائيل على كل من تركيا وقطر، وترحيبا بالقوات الاندونيسية. 
المشكلة أن رغبة جاكرتا السياسية تصطدم بواقع أمني معقد. وتنفيذ مقاربتها الخاصة في منطقة الشرق الأوسط لن تكون عملية سهلة. وتحتاج إلى مزيد من الحوارات مع القوى الإقليمية الرئيسية. والسعي إلى تمديد خيوط التواصل معها لمنع حدوث التباسات وتباينات وظهور تفسيرات مشوهة لاحقا. فالطموح الذي يخيم على المشروع الاندونيسي يصعب قبوله دون تطمينات حقيقية لمن يعنيهم الأمر في المنطقة.