مصر الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي
القاهرة - كل يوم لا تخلو مصر من تريند على مواقع التواصل الاجتماعي يثير ضجة ويفتح الأبواب إلى إثارة تساؤلات كثيرة حول حقيقة ما يعتمل في البلاد. غالبية التريندات تتعلق بظواهر مجتمعية بدءا من العنف بأشكاله المختلفة وحتى انتشار الكلاب الضالة في الشوارع. وبينهما قائمة طويلة من الخلافات الزوجية والمناكفات الحياتية وحوادث القتل والتجاوزات الأخلاقية.
تبدو مصر على مواقع التواصل كأنها تغلي اجتماعيا وأصابها مرض نادر لأن التركيز على جانب العنف خلق انطباعات بوجود خطر وصل حد الخوف على الأجيال المقبلة من أن تواجه مصيرا مجهولا. ويوحي ما يتم بثه وتضخيمه بسبب تكثيف الضوء عليه بحالة خاصة، غير معهودة في مصر، فالمنصات التي تنقل سريعا ما تم تداوله على نطاق ضيق تلعب دورا في إيجاد صورة ذهنية سلبية.
يتناسى كثيرون أن عدد سكان مصر تجاوز 110 مليون نسمة من الطبيعي أن تكون هناك حوادث عنف تتناسب مع هذا العدد الكبير ويحمل تحويل الأمر من أحداث فردية إلى ظواهر مغالطة علمية. ويشير حصر ما تبثه مواقع التواصل على أنه يمثل الجانب الوحيد من الظواهر القاتمة مغالطة فاضحة من جهة أنه مستجد وغريب ومريب على مصر أو من جهة الكم، فالتعميم يصيب المجتمع بالصدمة.
عدد كبير من أحداث العنف التي يتم تناقلها عبر السوشيال ميديا وجدت في أوقات سابقة ولا يعلم عنها شيء كثيرون. لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت ولم يكن السباق نحو التريند وتداعياته قد عرفناه.
يؤدي الوقوف عند الأحداث الفردية وتناقل تفاصيلها إلى التعامل معها بحسبانها ظواهر منبتة الصلة عن الماضي. أما الكم فهو يتناسب طرديا مع معادلة السكان. كلما زاد العدد، زادت الحوادث بالتبعية.
ليس الهدف تبرير العنف ودفن رؤوس المصريين في الرمال، لكن محاولة التوصل إلى تفسيرات منطقية هدف أسمى، فسرعة التقاط وانتقاء الحوادث ارتفع بشكل واضح. وسباق التريند تحول إلى وظيفة وجني للثمار لدى مقدمي المحتوى الرقمي. وغياب الحرية الإعلامية منح مواقع التواصل وروادها فرصة للتمدد. وصلت حد التغول على القيم المجتمعية السليمة، والنظر إلى حوادث العنف على أنها صارت طاغية.
يمكن استشفاف مصر أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي بسهولة مليئة بالحيوية وحافلة بالابداعات المتنوعة تضم نسقا قيميا محترما يمكن ملاحظته عندما تكون النظرة منصفة. مواقع التواصل التي نقلت حادث اعتداء أحد سكان المنتجعات السكنية في القاهرة على فرد حراسة قبل يومين هي نفسها التي صورته ونددت بجريمته النكراء. وتسببت في فضيحة مدوية للمعتدي وهو رجل أعمال مصري متعجرف. وساعدت أجهزة الأمن في إلقاء القبض عليه تمهيدا لمحاكمته.
مصر الأخرى رفضت تحرش شاب بفتاة. وتحرك المسؤولون فيها لإنقاذ عجوز بعد طردت من مسكنها وهي أيضا التي غلبت منطق العدالة في كل أحداث العنف التي ذاع صيتها على مواقع التواصل بعد أن أصبحت مثل السكين يمكن ذبح المجتمع بها، كما يمكن إنقاذ أفراده من خلالها. المعيار، هل أجهزة الدولة والمؤسسات المنوط بها تطبيق القانون وجلب العدالة تستهين بما يتم بثه أم تتصرف معه بجدية؟
من الواضح أن هناك جدية في التعامل مع مواقع التواصل. حيث خصصت وزارة الداخلية صفحة لتقي الشكاوى وتتبع البلاغات المقدمة من مواطنين. وتتحرك فورا عندما يصل إليها نبأ حادثة عنف أو تجاوز ارتكبه شخص أو جماعة. وتطبق النيابة العامة المعايير العصرية، وضبط أدواتها بما يساعدها على مراقبة السوشيال ميديا جيدا. وعدم ترك مساحة للتلاعب بالقانون وتزييف الواقع. كلاهما (الشرطة والنيابة) تحسنان مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي وعدم التهاون مع ما تبثه من جرائم.
على الرغم من المخاطر التي يحملها الإعلام غير التقليدي، إلا أن فوائده مهمة في الكشف عن الجريمة وضبط مرتكبيها. وتحولت المنصات إلى سلاح ردع. عند تصوير أي حادث عنف من خلال موبايل بحجم كف اليد ورصد خطأ يرتكب من قبل شخص لا يوجد مجال للسرية والتجاهل. الصياح الذي نراه على الصفحات الشخصية هو في الحقيقة جرس إنذار أكثر من كونه عنوانا للبحث عن فصيحة ورفع للغطاء عن عنف كان يمارس في الخفاء أو في قاع المجتمع ولا يعرفه الكثيرون.
مصر الأخرى ليست واحدة أو اثنتين. هناك أكثر من مصر. وذلك توصيف أطلقه مفكر عربي التقيته منذ سنوات في القاهرة. فبعد أن أقام فيها لبضعة أسابيع قال إنه لم ير مصر التي عرفها في ستينات القرن الماضي، وكانت تنقسم إلى أغنياء وفقراء. حيث يشعر أن كل طبقة داخلها طبقات بعضها فوق بعض. والطبقات بينها فوارق اجتماعية لافتة في السلوك والتصرفات والقناعات. تغيرت منظومة القيم، وأصبح من الصعوبة التحكم في مقياسها التي تتغير على فترات قصيرة.
وكما يصعب الحكم على مجتمع بالسرقة لمجرد أن شخصا ذهب إلى قرية وسرقت منه حافظت نقوده. كذلك مصر. يصعب القول إنها تشهد عنفا غريبا لمجرد أن مواقع التواصل الاجتماعي تناقلت حادثة عنف أو أكثر خلال فترة وجيزة. مع مراعاة أن التحولات سمة رئيسية في المجتمعات الحيّة، فالمجتمع الساكن والصامت يصاب بالشلل والجمود، بينما الحراك، مهما كان نوعه: إلى أعلى أم أسفل، إيجابيا أم سلبيا، في اتجاه التقدم أم التأخر، يقود في النهاية إلى استثمار المزايا وتصحيح الأخطاء.
ما تتناقله مواقع التواصل، وما يرصده المواطن الصحفي، يدفعان الجهات المعنية إلى اليقظة وتصحيح الأخطاء، فقد تكون حوادث العنف مخيفة لشريحة في المجتمع، إلا أن خروجها للعلن يمثل أداة للنجاة وليس وسيلة للتسلية والنقمة والغضب. فما يتم قذفه على السطح كل يوم من حوادث شاذة يجب النظر إليه بعين فاحصة. عين تريد الإصلاح وليس الشماتة. ضبط موازين الأمور المختلة وعدم تركها للصدفة.
كشفت كل أحداث العنف التي فجرتها مواقع التواصل مؤخرا عن رغبة في تحاشي التمادي في الخطأ. وإذا كانت الشماتة عنوانا لدى البعض لمرتكبي جرائم العنف، فإن عملية رصدها وعرضها للبث كفيلة بالتحقيق فيها، على أمل توفير فرص علاجها والحد من انتشارها وتنقية المجتمع ممن أصابهم العطب واعتقدوا أنهم فوق القانون.
مصر الأخرى على مواقع التواصل شفّافة. تسعى إلى وضع حد لما يرتكب من تجاوزات عنف بدلا من تشجيعه. من يشعر بأن رقابة المجمع سيفا مسلطا يفكر أكثر من مرة قبل أن يرتكب جريمة عنف أو غيرها من الجرائم البغيضة واللا أخلاقية.