رسائل متبادلة بين مصر وإثيوبيا

إصرار أديس أبابا على منفذ بحري دفع مصر لتحذير حازم: أمن البحر الأحمر وخليج عدن مسؤولية الدول المشاطئة وحدها فقط.

القاهرة - يجب النظر إلى إشارة إثيوبيا للتفاهم مع مصر حول الحصول على منفذ على البحر الأحمر قبل أيام في إطار الرسائل السياسية المتبادلة بين البلدين، والتي زادت وتيرتها الفترة الماضية.

وما جعل الرد المصري بالنفي سريعا على لسان مصادر مسؤولة هو الرغبة في قطع الطريق على أي تكهنات بشأن وجود تفاهمات سرية أو ضمنية مع أديس أبابا.

لم تحدث تغيرات ملموسة في الخلافات المعلنة بين مصر وإثيوبيا وتنحصر في أزمة سد النهضة المحتدمة بين الجانبين ورغبة أديس أبابا في الوصول إلى البحر الأحمر بشتى السبل. عقد اتفاقيات ثنائية مع إقليم أرض الصومال الباحث عن الانفصال عن دولة الصومال. أضيف إليها مؤخرا التدخل في شؤون دولة جوار مهمة من خلال توفير دعم عسكري لقوات الدعم السريع في حربها الضروس مع الجيش السوداني.

حظيت هذه الخلافات بمناوشات متعددة حاول فيها كل طرف اختبار حدود قبول ورفض الطرف الآخر والتعرف على المدى الزمني لما يعرف بالصبر الإستراتيجي في السياسة الخارجية.

ودائما ما يأتي الفعل من إثيوبيا ورد الفعل يلحقه من مصر بأدوات دبلوماسية وتصريحات تصدر من قبل مسؤولين فيها. والأمر ذاته تنتهجه أديس أبابا ردا على مواقف تتبناها القاهرة أو تصرفات تقدم عليها.

ردّت مصر على ما نشرته وكالة رويترز للأنباء حول قيام إثيوبيا بتوفير دعم لوجيستي لقوات الدعم السريع أخيرا، باستقبال وفد رفيع المستوى من دولة جنوب السودان، التي تُتخذ ممرا لوصول معدات عسكرية وعبور جنود يتم تجهيزهم في معسكرات داخل إثيوبيا.

رأس الوفد توت جلواك المستشار الأمني للرئيس سلفا كير في رسالة تهدف للقول إن القاهرة تملك أيضا أدوات تمكنها من تفشيل التوجهات الإثيوبية الرامية إلى توسيع نطاق التدخل في الحرب المشتعلة بالسودان.

لجأت مصر إلى الرد على تصريحات مسؤولين في أديس أبابا بشأن الحق في الوصول إلى ميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر، بالتأكيد على عدة ثوابت، أبرزها: الحفاظ على وحدة واستقرار الدول الأفريقية ورفض التدخلات الخارجية وعدم تفجير صراعات قديمة وإثارة مزاعم ونعرات حول الحقوق التاريخية المهضومة وضرورة مراعاة القانون الدولي الذي يمنع التغول على حقوق الدول الأخرى. لا يعترف هذا القانون بالوصول إلى المنافذ البحرية للدول الحبيسة باستخدام القوة. ويحصرها في نطاق الاتفاقيات والتفاهمات المشتركة مع الدولة صاحبة المنفذ البحري.

عندما كررت أديس أبابا فكرة الوصول إلى المنفذ البحري بشتى السُبل، سياسية وعسكرية، اضطرت مصر إلى اصدار تصريحات صارمة على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسي، شدد فيها على أن أمن البحر الأحمر وخليج عدن مسؤولية الدول المتشاطئة فقط في علامة مزدوجة دالة على: رفض القاهرة التوجهات الإثيوبية لإثارة أزمة مع إريتريا للحصول على موطيء قدم في ميناء عصب وممناعة حاسمة لأي تصرفات تقود أديس أبابا إلى تنفيذ مذكرة التفاهم وقعتها مع إقليم أرض الصومال تمنحها الحق في منفذ بحري وإقامة قاعدة عسكرية على خليج عدن.

أدى توقيع هذه المذكرة بين إثيوبيا وحكومة أرض الصومال في يناير/كانون الثاني 2024 إلى تصعيد اللهجة المصرية باتجاه أديس أبابا أسفر عن توقيع اتفاقية تعاون عسكري مع دولة الصومال. تقضي بإرسال معدات عسكرية وجنود مصريين لمكافحة الإرهاب والقيام بتدريب القوات الصومالية والإعلان عن مشاركة وحدات مصرية ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال المعروفة بـ"أوصوم" التي بدأت مهمتها في يناير/كانون الثاني 2025 بعد انتهاء مهمة "أتيمس".

توالت الرسائل المتبادلة بين مصر وإثيوبيا. لجأ كل طرف إلى توظيف ما يملكه من أوراق سياسية لتأكيد أنه قادر على إثارة مشاكل للآخر في أي وقت. خرجت الخلافات من إطار سد النهضة الذي لا يزال في الخلفية عند كل محك بين الجانبين وكل الرسائل الإيجابية التي أقدمت أديس أبابا على توجيهها إلى القاهرة في ملف السد، لم تغير من ثوابتها المعلنة شيئا، حيث تصر على رفض التوقيع على اتفاق مُلزم. التمسك بحقها في إدارة المياه باعتبارها دولة منبع رئيسية. عدم الاعتراف بأي حقوق تاريخية لمصر حصلت بموجبها على حصة 55.5 مليار متر مكعب من المياه كل عام.

وضعت إثيوبيا سقفا لأي مفاوضات يمكن أن تدخلها مرة أخرى مع مصر. عدم التعهد بتقديم تنازلات جوهرية في خطابها حول السد، ما أحدث احباطا في القاهرة، وجعلها تتيقن من أن العودة إلى طريق المفاوضات غير مجد. وبدأت تعيد تطوير روابطها مع بعض الدول الأفريقية بينها دول جوار لإثيوبيا، مثل إريتريا وجيبوتي والصومال. ووقعت اتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية، ما يشير إلى امتلاكها شبكة إقليمية تساعدها على صد الإجراءات الإثيوبية المناهضة للمصالح المصرية وإجبار أديس أبابا على مراعاة رؤية القاهرة في القضايا الخلافية، بدءا من سد النهضة وحتى أمن البحر الأحمر وخليج عدن.

لم تستطع القاهرة جني ثمار حقيقية من التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إمكانية تدخله لحل أزمة سد النهضة، واستنكاره قيام سلفه الرئيس جو بايدن بالمساهمة في تمويل السد وعزمه على عقد لقاء يجمع بين الرئيس السيسي ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، وهي واحدة من الرسائل القوية التي تلقتها أديس أبابا في يناير/كانون الثاني المنصرم. وكان يمكن أن تحدث أثرا إيجابيا إذا نفذ الرئيس ترامب تعهده بالتدخل المباشر في الأزمة.

على الرغم من التأييد المصري لرسالة ترامب، لكن لم تكن تملك أدلة ملموسة على جدية العمل بها، ما دفعها للتعامل معها بصورة دبلوماسية لا تخرج عن فكرة "سوف ننتظر ونرى تداعيات ما يحدث".

ويبدو أن إثيوبيا فهمت فحواها مبكرا ولم تظهر انزعاجا من مضمونها وتجاوبا معها، فقد سبق أن تدخل الرئيس ترامب في بداية عام 2020، خلال فترة رئاسته الأولى، من أجل التوصل إلى تسوية سياسية وفنية للأزمة. وتنصلت إثيوبيا من أي التزامات في حينه. وأخفقت المقاربة الأميركية في تحقيق تقدم ملموس. نجحت أديس أبابا في إدارة الأزمة بطريقتها المراوغة وأعلنت عن تشغيل سد النهضة في سبتمبر/أيلول الماضي دون أن تمنح القاهرة تنازلا واحدا.

سوف تظل دبلوماسية الرسائل المتبادلة مستمرة لأنها وسيلة لتجنب التوجه نحو الحلول الخشنة. كما يثبت من خلالها كل طرف أنه يقبض على مفاتيح الأزمة، قادر على قلب الطاولة على خصمه. يملك من الأدوات ما يساعده على صد الهجمات القادمة من الطرف الآخر بانتظار تحولات إقليمية كبيرة قد تصطحب معها نتائج تعزز موقفه في تحقيق نصر بلا حرب.