إيران تسعى إلى زيادة التكلفة الأميركية

طهران تحاول استنفار الصين وروسيا وربما كوريا الشمالية لدعمها ماديا ومعنويا من خلال التدخل مباشرة في الحرب وتخفيف الضغوط الواقعة عليها.

القاهرة- ينطوي توسيع إيران الحرب على أهداف سياسية واقتصادية. تريد منها زيادة التكلفة على الإدارة الأميركية. وضع الرئيس دونالد ترامب في موقف حرج داخليا وخارجيا. تعطيل الملاحة في مضيق هُرمز واستهداف عدد من ناقلات النفط أدى إلى رفع أسعاره عالميا. خلق أزمة قد تدفع قوى دولية للتدخل في الحرب. ما ينعكس سلبا على الاقتصاد الأميركي الذي أحدثت تصورات ترامب هزة كبيرة في هياكله.
تجاوزت طهران كل الخطوط الحمراء في الحرب. ركزت عملياتها على إشعار الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة بالألم. وعندما صوبت صواريخ ومسيرات باتجاه أهداف تخص مصالح دول غربية، كان هدفها زيادة الاستقطاب وجر هذه الدول إلى المعركة وتحويلها من حرب إقليمية محدودة إلى حرب عالمية مفتوحة. تحاول طهران استنفار الصين وروسيا وربما كوريا الشمالية لدعمها ماديا ومعنويا من خلال التدخل مباشرة في الحرب وتخفيف الضغوط الواقعة عليها.
يوحي قيام النظام الإيراني بتوزيع ضرباته على دول المنطقة أنه استوعب صدمة مقتل عشرات من قياداته الأولى والوسيطة، ومصرع المرشد على خامنئي في اليوم الأول للحرب. الغرض من إطلاق النيران على القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج ومصالح الدول الغربية هو خلط أوراق الحرب. على أمل أن تجد طهران نافذة للهروب، أو وقف الحرب بشروط تنزع عنها الكثير من المطالب الأميركية المعلنة.
نجح الخطاب الأميركي في أن يجعل المعادلة مع إيران صفرية. منع التوصل الى تفاهمات مشتركة عبر التفاوض. لم يترك ترامب نافذة قفز منها طهران التي باتت تقاتل بكل ما تملك من أسلحة لرفع منسوب الخسائر في صفوف المعسكر الأميركي- الإسرائيلي. هز مصداقية ترامب الذي وعد بالتخلص من النظام الحاكم في طهران. 
مع نهاية اليوم الثاني من الحرب (يوم الأحد) حدث تغير نسبي في اللهجة الأميركية حيال إسقاط النظام وإمكانية اندلاع ثورة شعبية عارمة في إيران. قذف ترامب بورقة التفاوض مع شخصية وازنة ومعتدلة بعد شعوره بأن مصرع خامئني لم يُحدث فوضى في جسم النظام الإيراني. نجح الأخير في استثمار الوفاة لزيادة الُلحمة الوطنية.
يشير ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية بشأن رفض القيادة الإيرانية الحالية التفاوض مع واشنطن إلى تعويلها على رفع مستوى الضغط على الإدارة الأميركية. وأن الحرب التي اعتقد الرئيس ترامب في البداية لن تستغرق أكثر من أسبوع بدأ يتحدث عن حاجتها إلى خمسة أسابيع وربما أكثر. ما يعني أن الضربات القوية التي تعرضت لها إيران في أول يوم لم تكسر شوكتها العسكرية وتجبرها على دخول بيت الطاعة.
رفع دخول حزب الله اللبناني على خط المواجهة وتوجيه صواريخ جديدة نحو إسرائيل الفوضى الإقليمية. استغلت تل أبيب الأمر في توجيه ضربات قوية نحو لبنان. 
ومع أن صواريخ الحرب معنوية وقيمتها العسكرية ضعيفة، إلا أن خروجها من الأراضي اللبنانية يؤكد أن خزانة الحرب لم تنفد بعد. ثمة انذار بدخول جماعة الحوثي في اليمن على خط المواجهة. حدوث تهديد جديد للملاحة في البحر الأحمر، تضاف إلى التهديدات القوية التي يشهدها الخليج العربي بعد استهداف ناقلات نفط.
تؤدي هذه الحالة إلى عبء تراكمي على عاتق الولايات المتحدة المعروفة بأنها معنية بملف الملاحة في الشرق الأوسط. يزداد العبء مع عزم إيران الوصول إلى مصاف للنفط في دول الخليح. بالتالي زيادة أسعاره العالمية. تحميل واشنطن مسؤولية الطفرة المتوقعة فيها، على عكس ما كان يخطط له الرئيس ترامب.
تستخدم إيران كل أدواتها لإحراج الإدارة الأميركية. ترسيخ صورة ذهنية مفادها أن ترامب خاض الحرب من أجل تحقيق أهداف إسرائيل وليس الولايات المتحدة. تفريغ القواعد الأميركية في الخليج من بعض مضامينها الحمائية للمنطقة. مع توالي الأنباء حول وقوع خسائر بشرية في صفوف الجنود الأميركيين، قد يعج الداخل بالمظاهرات للحد من توجهات ترامب نحو المزيد من الانخراط في الحرب. 
تعلم طهران أن الجنرال وقت يعمل لصالحها. شرط أن تصمد وتحدث تحولات مفصلية تتسبب في وقف الحرب سريعا قبل أن تصاب إيران بالإنهاك العضوي مع استمرار وزيادة الضربات الأميركية- الإسرائيلية. ومع احتمال دخول قوى حليفة للولايات المتحدة الحرب صراحة.
ولأن إيران تعلم صعوبة تحمل الضغوط العسكرية فترة طويلة، لجأت إلى توزيع ضرباتها على دول متفرقة وخسارة حيادها. كي تحدث أكبر قدر ممكن من الخسائر للولايات المتحدة وحلفائها. تشعر ترامب أن حساباته كانت خاطئة.
إذا كان الرئيس الأميركي لديه ممانعات حول توسيع نطاق الحرب خشية تداعياتها العسكرية وتصاعد تكلفتها الاقتصادية والسياسية، فإن حليفه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يجد فيها فرصة لتعزيز رؤيته أن إيران خطرا على العالم ويجب التعامل معها بقسوة مفرطة. والسعي للتخلص من نظامها باعتباره رأس الأفعى في المنطقة. وسببا رئيسيا في التوترات والصراعات والتهديدات التي يمر بها الشرق الأوسط. ما يمكّن إسرائيل من ابعاد هذه التهمة عنها.
يعد سيناريو الفوضى الذي تسير فيه إيران متسقا مع تفكيرها. لكنه شبح مخيف لدول المنطقة. سقوط هذه الدولة بشكل دراماتيكي سوف تكون له تداعيات أشد خطورة مما حدث في كل من العراق وسوريا وليبيا. بحكم التركيبة الديموغرافية المعقدة. وجود عرقيات وإثنيات وأيديولوجيات متعددة. واحتقانات تاريخية وعقائدية. بيئة محيطة بها مليئة بالتشابكات. كما تعج بنزاعات مختلفة. خلافات حدودية ممتدة. ناهيك عن الروافد الاجتماعية السلبية التي خلفها نحو خمسة عقود من حكم المرشد في إيران.
لم يساور الولايات المتحدة شك في التخلص من النظام الإيراني خلال فترة قصيرة. ولم يدر بخلد نتنياهو أن طهران ستتجه نحو توسيع نطاق الحرب مبكرا، أو أن مخزونها من الصواريخ الباليستية قد يسعفها في الأيام الأولى للحرب وتسبب متاعب إقليمية. ما تجاهله ترامب ونتنياهو أنهم أغلقا جميع الأبواب أمام إيران وفتحوا باب الاستسلام فقط. وهو خيار صفري يصعب قبوله من جانب إيران. وإذا كانت العقلية دينية فإن الموافقة عليه تساوي انتحار. من هنا جاء رفض الاستسلام من منطلق عقائدي- استشهادي. مصحوبا بأمل في عناية إلهية تتدخل وتفضح ترامب.
يمكن فهم توسيع نطاق الحرب على ثلاثة مستويات مركبة. داخلية وإقليمية ودولية. تؤدي جميعها أو أحدها إلى إعادة التفكير في مسار الحرب، ما لم يتم حسمها سريعا. المشكلة أن الحسم- النصر مرتبط بسقوط النظام الحاكم في طهران. وهو هدف رمادي يستحيل تحقيقه دون تدخل عسكري كبير على الأرض. لذلك فلعبة إيران إما أن تقود إلى استسلامها تماما بعد رفع معدل التكلفة الأميركية أو إلى فوضى تخيّم على المنطقة.