تقويض الرهانات الإيرانية
دخلت إيران حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وهي متسلحة بمجموعة من الرهانات الرئيسية وضعتها نصب عينيها من أجل عدم خسارة الحرب وتفويت الفرصة على تحقيق أهداف واشنطن وتل أبيب بشأن إسقاط النظام الحاكم.
كان هناك ما يشبه اليقين أن طهران ستخرج منتصرة في نهاية هذه الحرب ويمكن رصد ستة محددات زادت من درجة التفاؤل بصمود إيران وتحمل الضربات القاسية عليها، ما دفع الإدارة الأميركية للتركيز على كبح جماح ما تملكه من أوراق في أجندتها الرئيسية التي دخلت بها الحرب وهي متأكدة من نتائجها الإيجابية.
الرهان الأول: رفع التكلفة المادية. اعتقدت إيران أن تعطيل تدفق النفط والغاز وما تجلبه الخطوة من غضب سياسي وخسارة اقتصادية للدول المنتجة والمستهلكة يجبر دول العالم للضغط على الإدارة الأميركية لوقف الحرب.
عندما تصبح التكاليف باهظة سيضطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وقف الحرب خوفا من ارتفاع أسعار المنتجات وزيادة معدل التضخم وحدوث هزات داخلية لن يتحملها اقتصاد بلاده.
تبدو التكلفة حتى الآن أقل من التوقعات الإيرانية مع قرار مجموعة دول السبع المكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان، الافراج عن نحو 400 مليون برميل نفط من الإحتياطي الإستراتيجي يمكن السيطرة على أسعاره على المدى القصير.
عزز حديث الرئيس ترامب حول السماح بضخ نحو 170 مليون برميل من مخزون بلاده الأمل بأن موجة رفع أسعار الطاقة يمكن السيطرة عليها ولن تجني منها إيران مكاسب وبالتالي تتراجع ثقتها في نتائج التأثيرات السلبية لإعلان بعض دول الخليج القوة القاهرة في حقولها النفطية والغازية.
الرهان الثاني: غلق مضيق هرمز. تعلم إيران أن الغلق يعني الشلل في عالم الطاقة. وعدم مرور نحو 30 بالمئة من التجارة العالمية، ما يؤدي إلى ارتباك في عدد كبير من الأسواق ويقود القيام باستهداف سفن غربية والتهديد بتلغيم مياه المضيق إلى حدوث أزمة حادة لن تستطيع بعض الدول تحمل تكاليفها، ما يدفع إلى متوالية الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف الحرب.
لكن ما يجري حاليا هو أن واشنطن قامت بتدمير جزء كبير من القطع البحرية والموانيء الإيرانية. التلويح بإمكانية مرافقة سفن حربية لناقلات النفط، على الرغم من تكلفتها العالية.
يرمي الرئيس ترامب من هذا الاتجاه إلى أن رهان إيران على خنق التجارة العالمية يتعرض لتحديات وعرة لن يكتب له النجاح. وقبل أن تلمح طهران إلى غلق مضيق باب المندب أيضا ودخول جماعة الحوثي في اليمن على خط الحرب، تحركت فرقاطات فرنسية وبريطانية نحو البحر الأحمر للتعامل مع أي تهديدات جديدة وابداء استعداد ملحوظ للدفاع عن الدول الحليفة في منطقة الخليج العربي، ما يشير لعزم واشنطن تقويض الأوراق التي تملكها إيران وإبطال مفعولها العسكري والاقتصادي.
الرهان الثالث: إطالة أمد الحرب. دخلت إيران المعركة وهي متيقنة أن الزمن أكبر حليف لها وأخطر عدو لخصومها. لن تتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل ما ينجم عن هذا الرهان من تداعيات.
تعاملت طهران مع ما تملكه من صواريخ باليستية متطورة ومسيرات متقدمة باقتصاد، كي تستفيد منها في توجيه ضربات دائمة على أهدافها. رسخ في وجدانها أن الرئيس ترامب لن يطيق استمرار الحرب لعدة أسابيع.
تم تجاوز هذه المعضلة في الخطاب الأميركي من خلال الحديث عن فترة زمنية تصل إلى أسبوع. ثم من أربع إلى ستة أسابيع. ثم تم جعلها مفتوحة وبلا أفق زمني محدد. نزعت تجربة إسرائيل في حربها على قطاع غزة ولبنان فتيل الزمن بعد أن حاربت أكثر من عامين على هاتين الجبهتين.
وعلى العكس قد يتحول عنصر الوقت إلى عدو حقيقي لطهران لأن واشنطن وتل أبيب تميلان إلى اتباع تكتيك الاستنزاف التدريجي بشكل يضعف القدرات الإيرانية في المستقبل ويمنح التخلص من ورقة الزمن فرصة لإعادة ترتيب المشهد داخل إيران لتفكيك بنيتها الأمنية والمجتمعية.
الرهان الرابع: توسيع نطاق الحرب. أقدمت إيران على توجيه ضربات عسكرية موجعة اقتصاديا لكل دول الخليج العربي. أطلقت صواريخ ومسيرات على أهداف غربية في كل من العراق والأردن وقبرص وأذربيجان. باعتبار أن زيادة عدد الدول المنخرطة في الحرب يحولها من صراع إقليمي إلى صراع دولي يتسبب في استنفار قوى كبرى للتدخل من أجل وقف الحرب أو الإنحياز إلى صف إيران.
ما حدث أن دول الخليج امتصت الصدمات والضربات حتى الآن ورفضت الانجرار وراء التحريض السياسي والاستفزاز الأمني. لا تزال الحرب بمفهومها العسكري محصورة في جبهة الولايات المتحدة وإسرائيل مقابل جبهة إيران. ما يشير إلى أن هدف توسيع نطاق الحرب بدأ يفقد زخمه في حسابات طهران. قد يحمل ارتدادات قاتمة عليها في ظل وجود بوادر لاصطفاف ضدها وليس معها.
الرهان الخامس: الحصول على تفهم دولي لموقف إيران. خسرت طهران بعد ساعات قليلة من اندلاع الحرب التعاطف العربي بعد قصفها لأهداف مدنية خليجية. لم تفلح ضرباتها في اقناع شريحة كبيرة من المواطنين العرب أنها تستهدف المصالح الغربية العسكرية فقط حدث غضب حيالها بسبب عدم قدرتها على ترويج هذه الرواية مع تكرار اعتدائها على أماكن مدنية في عدة دول خليجية.
فشلت في تقريب وجهة نظرها لغالبية دول العالم. أخفقت في الحصول على تعاطف معها. انعكست تجليات الممانعة في صدور قرار مجلس الأمن رقم 2817 مساء الأربعاء يقضي بإدانة إيران على ما ارتكبته من تهديد مباشر لدول الخليج العربي والأردن. حصل القرار على موافقة 13 دولة.
امتناع روسيا والصين عن التصويت. فشلت موسكو في تمرير مشروع قرار لوقف الحرب وإدانة الضربات المتبادلة. وفر القرار الذي تبنته دول الخليج شرعية دولية للحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل.
يمكن أن يفضي إلى سلسلة إجراءات تضيّق الخناق السياسي والعسكري والاقتصادي على إيران. بلورة شبكة أمان دولية لن تعمل في صالح طهران. فقدان ورقة الدعم الخارجي لمنطق إيران في حقها برد العدوان عليها ووقف حرب لم تحصل على شرعية دولية. تعزيز منطق واشنطن وتمكينها من التحكم في مفاصل الحرب.
الرهان السادس: الحصول على دعم روسيا والصين. سعت إيران إلى كسب الدولتين إلى صفها عسكريا وسياسيا. لم تتمكن من ذلك. ما راج حول حصولها على تكنولوجيا متقدمة تساعدها في حربها ضد الولايات المتحدة وإيران لم تظهر له معالم ملموسة. لم تحصل طهران على غطاء سياسي واضح منهما. صدر قرار مجلس الأمن رقم 2817 بلا استخدام حق الفيتو من موسكو أو بكين. فضّل كلاهما الوقوف على الحياد.
مع عدم إنحياز روسيا والصين إلى جانب إيران، تستطيع الولايات المتحدة تطبيق معاييرها الخاصة في الحرب. ربما فرض شروط قاسية لاحقا. لن تجد طهران من تتكيء عليه دوليا إذا حان وقت الجلوس على الطاولة. سوف تزداد الضغوط عليها من اتجاهات مختلفة واجبارها على القبول برؤية واشنطن أو الاستمرار في حرب حتى آخر صاروخ ومسيرة بحوزتها بعد إغلاق غالبية الأبواب للهروب منها.