تحديات المصير المشترك للدول الخليجية

التهديدات التي تتعرض لها كل دول مجلس التعاون الخليجي، بلا استثناء، رفعت الغطاء عما يمكن وصفه بالحفاظ على الحد الأدنى من التوازن.

أدركت دول الخليج العربي مبكرا أن مصيرها المشترك يحتم عليها التنسيق والتعاون والتفاهم في القضايا الحيوية. دشنت مجلس التعاون الخليجي في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي. حددت أطرا أمنية وسياسية واقتصادية بهدف تحويله إلى كيان جامع. حدثت تفاهمات وخلافات ومناورات. ظهرت ثغرات أثرت على آليات العمل. وصل المجلس الآن إلى محطة تستوجب إعادة النظر في مكوناته. على ضوء الحرب الإيرانية وما تفرزه لاحقا هناك حاجة ماسة لترتيبات تتواءم مع تعاظم التهديدات.

تفرض اللحظة التي يمر بها مجلس التعاون الخليجي المزيد من الانسجام بين دوله. التخلي عن التباينات التي ظهرت مؤشرات منها في بعض القضايا الإقليمية والأزمات البينية خلال السنوات الماضية. استثمار الاجماع على أن المخاطر لا توجد بها انتقائية ولن تطال دولة بعينها وترك الدول الأخرى.

من الدروس المستفادة ضرورة تجاوز الخلافات التي طفت في السنوات الماضية، حيث أعاقت التوافق بين دول المجلس. ولدّت حساسيات مفرطة. كانت هناك ملامح أكدت أن كل دولة من الدول تتبنى سياسة مستقلة بذاتها بلا اعتبار لما يحمله ذلك من تأثيرات قاتمة على دول خليجية أخرى. قد تتفق دولتان أو أكثر، لكن إجمالا لم تعد الرؤى السياسية المتصادمة خافية على كثيرين.

تحمل الحرب الإيرانية ارتدادات سلبية على دول مجلس التعاون. ما لم يتم تطوير العلاقات والعودة إلى المرجعية المحورية للأهداف التي بموجبها تم تأسيس المجلس سوف تواجه كل دوله صعوبات تضرب عصب الفكرة التي انطلق منها المجلس وهي العمل ككتلة واحدة لمواجهة التحديات الداهمة والمنتظرة. اليقين أن المصير المشترك يعني ضرورة إصلاح مواطن الخلل. سواء أكانت فردية أو جماعية.

يتطلب اليقين النظر إلى طبيعة التهديدات الإقليمية. الاجتماع التشاوري الذي تستضيفه الرياض مساء الأربعاء يتضمن مقاربة تصب في هذا الاتجاه. يحضره وزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية للتباحث حول سبل دعم أمن المنطقة واستقرارها. يناقش الاجتماع بعض القضايا الملحة التي فرضتها الحرب الإيرانية.

من المهم امتلاك رؤية موازية على صعيد دول الخليج الست. ترسم ملامح واضحة للمستقبل، تحدد الوسائل التي سيتم الاعتماد عليها كرافعة سياسية لتطوير العمل المشترك، تنهي حقب طويلة من التجاذبات انعكست على فعالية العمل الجماعي. توقف زحف خيارات فردية حاولت البعض منحها أفضلية على حساب قاعدة التعاون التي انطلق منها المجلس من دون تحويلها إلى أجندة قابلة للكسر والمساومة والتغيير.

شهد التعاون الاقتصادي نموا ملحوظا بين دول المجلس. لم تتوافر معالم تقول إن الفجوة بين دوله أدت إلى الإضرار بالمسار الاقتصادي. لكن الفجوة ظهرت في بعض التوجهات التي تتبناها دوله. أثرت سلبا على قاموس الأدبيات السياسية في مستوييه النظري والعملي. من دون الخوض في نماذج منها، يستطيع من تابع الأداء الإعلامي في الأشهر الماضية استشفاف عمق الأزمة بين عدد من دوله. من أظهروا قدرا من الانضباط والحياد لم تعصمهم العواصف من التعرض لمشكلات. 

تؤدي صدمة الحرب الإيرانية إلى إعادة هندسة العلاقات داخل البيت الخليجي. التهديدات التي تتعرض لها كل دوله، بلا ستثناء، رفعت الغطاء عما يمكن وصفه بالحفاظ على الحد الأدنى من التوازن. أدت إلى أزمات على أكثر من مستوى. في مقدمتها ما يسمى بـ"الانكشاف الأمني". نجحت دول الخليج في صد الضربات التي تعرضت لها. أبطلت مفعولها العسكري. قوضت تأثيرها الاقتصادي إلى حد بعيد.

لا تخلو المحن من منح أيضا، فتحت الحرب المجال لمناقشة سياسية جادة بشأن ترتيب الأولويات بين دول الخليج. إعادة الاعتبار لفكرة التعاون الجماعي، السعي نحو وضع تصورات تفضي إلى عدم السماح بتكرار المشهد القاتم المتمثل في التعرض لدفعات كبيرة من الصواريخ والمسيرات الإيرانية بذريعة النيل من المصالح الأميركية.

مهما كانت نتائج الحرب ما بعدها لن يكون شبيها بما ساد قبلها. من هنا يصبح البعد الأمني هو المدخل الصحيح للاستعداد للمرحلة القادمة بكل ما تحمله من مقومات خليجية.

إذا ربحت الولايات المتحدة الحرب تماما وفككت القدرات العسكرية لإيران وأزالت تهديدها سوف تكون هناك رؤية أمنية جديدة. إذا لم تتمكن واشنطن من ذلك وحافظت إيران على جزء معتبر من ترسانتها العسكرية سوف تكون هناك رؤية أخرى.

في الحالتين بدأت نقاشات خليجية على مستوى النخبة تشق طريقها في مجال العصف الذهني استعدادا لسيناريوهات المستقبل من الناحية الأمنية. هناك جرأة خليجية في طرق الأبواب وهي ساخنة قبل أن تتوقف الحرب وتتكشف مآلاتها النهائية.

توجد اجتهادات عدة حول أهمية إعادة النظر في الحالة الأمنية الراهنة داخل كل دولة. تأسيسا على قاعدة المصير المشترك يُوجد اتجاه لتصبح المناقشة جماعية وعاجلة ومستفيضة. بما يقود إلى سرعة تصحيح الأوضاع السلبية التي كشفتها التهديدات الإيرانية لدول الخليج.

يحتاج الاعتماد على المظلة الأميركية بالطريقة الحالية إلى مراجعة لتجنب التعرض لضربات خارجية والاحتفاظ بالهدوء في التعامل معها.

تشير المعادلة التي أوجدتها الحرب الإيرانية المتعلقة بتمسك دول الخليج بالتهدئة إلى تقبل المزيد من الضربات العسكرية وتحمل تكلفتها الباهظة. الرد عليها يمكن أن يتسبب في زيادة التصعيد ورفع منسوب السخونة والتوترات الأمنية في منطقة الخليج والانجرار إلى مخطط إيران حيال توسيع نطاق الحرب وخلط أوراقها.

مع عدم اخفاء الإدارة الأميركية رغبتها في السيطرة على منابع النفط في إيران بعد فنزويلا والميل لفرض الهيمنة على الممرات البحرية. من الواجب أن تنتبه دول الخليج العربي إلى النتائج الخطيرة التي يحملها هذا النوع من التفكير. وعليها التفكير في أن مد الخط على استقامته يعني عدم استبعاد تطرق الرئيس دونالد ترامب لصفقات مشبوهة بشأن نفط الخليج. لن يقوم بالسيطرة عليه بالطبع، لكن يمكن أن يخلق مساحة مناورة للتحكم في أسعاره. ربما الدخول في مقايضات سيئة مع دول الخليج.

توفر الجاهزية الخليجية الجماعية الوقت لعدم مواجهة شبح من هذا النوع. الاستعداد لإيجاد مصدات حقيقية أمامه وعرقلة تحويل الأفكار إلى واقع. التأكد من أن المصير المشترك يفرض درجة عالية من التماسك العضوي. التخلي عن أي حساسيات والانتباه إلى أن ما يجري في المنطقة لن يتوقف عند حدود إيران وإشكاليات مضيق هرمز والممرات البحرية.

طهران شماعة عسكرية توافرت لها مكونات عديدة لاستهدافها بقوة. انطلقت منها واشنطن فقط، لكن الشماعات السياسية والاقتصادية أشد خطورة. لا أحد يعلم ما يدور في عقل ترامب وقدرته على الوصول لأغراضه بأدوات عسكرية أو دبلوماسية.