حساسيات مفتعلة بين مصر ودول الخليج

من يعملون على تخريب العلاقات بين مصر ودول الخليج يتجاهلون أن أي خلافات بين الجانبين تقتصر على تفاصيل القضايا ولا تصل إلى جوهرها.

القاهرة- بعد أن تمكنت زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لكل من الإمارات وقطر يوم الخميس من تعزيز العلاقات بين القاهرة ودول الخليج، وجد خصوم الطرفين في خطبة ألقاها أزهري في اليوم التالي فرصة لمحاولة هدم ما أحدثته الزيارة في مسار العلاقات.

تضمنت الخطبة إشارات مدح لآل بيت النبي محمد (ص). اتخذت وسيلة للإيحاء بأن الهوى المصري "شيعي" وأن هناك تعاطفا سياسيا مع إيران.

يبدو أن الغرض من التعسف في القراءة هو إجهاض النتائج التي أحرزتها زيارة السيسي. وتقف خلفه جهات لا تريد خيرا للعلاقات بين الطرفين تسعى إلى ايقاد نار الفتنة وعدم السماح بأي تقارب يؤدي إلى مزيد من التعاون والتنسيق والابقاء على حالة من المراوحة والتذبذب والارتباك، تسمح بنثر توترات جديدة في أي لحظة وهو ما عكسه التفسير الانتقائي لخطبة ألقيت بأحد مساجد القاهرة يوم الجمعة.

تسببت الحساسيات المفتعلة في حرف التطورات عن مساراتها الصحيحة. من فتشوا في عقل خطيب المسجد تحركوا من وازع سلفي واضح يرفض إيران ويتخذ موقفا صارما من شيعتها. نسوا تاريخا طويلا يربط عموم المصريين بآل بيت الرسول محمد (ص) بلا تشيع أو علاقة سياسية طيبة. قفزوا على حقيقة أن العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وطهران مقطوعة رسميا. يوجد مكتب لتمثيل للمصالح في عاصمتي البلدين. عدم تجاوب مصر مع رغبة إيران بشأن عودة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها.

اقتصرت اللقاءات والحوارات والاتصالات المتبادلة على مواقف إقليمية معينة هدفها الوساطة وتفكيك العقد في بعض الملفات. حدث ذلك في الملف النووي الإيراني عندما جرى التوصل إلى اتفاق بين طهران وهيئة الطاقة الذرية بوساطة مصرية. بكلام آخر: النقاشات التي حصلت سعت من خلالها القاهرة إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة وليس التناغم مع إيران أو الانحياز إلى صفها. هدفت إلى منع تمدد النيران إلى منطقة الخليج وما يجلبه اشتعاله من محطات دراماتيكية تؤثر على أمنه.  

تكفي الإشارة إلى مانشيتات صحف الجمعة في مصر. كلها أشادت بزيارة الرئيس السيسي إلى أبوظبي والدوحة. التعامل معها باعتبارها وسيلة لتعزيز المصير المشترك. لخص مانشيت صحيفة الأهرام العريقة في هذا اليوم (مصر والخليج يدا بيد) الكثير من المعاني السياسية التي يمكن أن يقولها أي مراقب مصري للموقف.

ما يغفله البعض أن مصر لم تتردد في تأكيد خصوصية العلاقات مع دول الخليج وأنها ذات طبيعة إستراتيجية ثابتة. كل التصريحات التي قيلت في مجال تثمينها أطلقت خلال فترة لم يكن هناك خطر يهدد دول الخليج سوى الخطر الإيراني. أبرزها: الأمن القومي لمصر مرتبط بأمن الخليج العربي. مسافة السكة، كعلامة على سرعة التحرك الأمني لدعم دول الخليج العربي. أمن الخليج خط أحمر.

حملت زيارة الرئيس السيسي لكل من أبوظبي والدوحة رسالة سياسية وأمنية عملية. ذهب في أجواء ساخنة ميدانيا، في وقت شكك فيه البعض في نوايا القاهرة. كرر مسألة المصير المشترك والثوابت ورفض التهديدات التي يتعرض لها الخليج وإدانة كل اعتداءات من قبل إيران. جاء البيان الذي صدر عن الرئاسة المصرية عقب انتهاء الزيارة حافلا بالكلمات والمضامين التي تؤكد خصوصية العلاقات وعدم التهاون في توفير الدعم المناسب لدول الخليج.

يتناسى من يريدون افتعال الأزمات عن قصد أو بدونه جملة من التحذيرات التي أطلقها الرئيس السيسي بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مفادها أن توسيع نطاق الحرب يؤدي إلى تفجير المنطقة. نشوب صراعات ونزاعات خطيرة وحدوث فوضى إقليمية. عدم حصرها في نطاق غزة. وهو ما حدث فعلا.. امتدت نيران الحرب إلى كل من لبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران.

تعززت التقديرات المصرية مع نشوب حرب ضارية شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران منذ نحو ثلاثة أسابيع وقيام الأخيرة بشن ضربات عسكرية على دول الخليج الست والعراق والأردن بذريعة استهداف مصالح أميركية.

وصلت الضربات إلى أذربيجان وتركيا وقبرص. لا يخلو الأمر من مفاجآت جديدة. إغلاق مضيق هرمز أرخى بظلال قاتمة على مرور سفن الطاقة وتدفق سلاسل الامدادات والتجارة العالمية، فيما يقود التهديد بامتداد الحرب إلى مضيق باب المندب وطرق بحرية أخرى إلى، رفع أسعار السلع والخدمات ودخول العالم مرحلة خطرة من الفوضى.

يتجاهل من يعملون على تخريب العلاقات بين مصر ودول الخليج أن أي خلافات بين الجانبين تقتصر على تفاصيل القضايا ولا تصل إلى جوهرها. في كل الملفات المركزية لم يحدث تباينا. غالبية دول العالم تتفق وتختلف دون أن يؤثر ذلك على القاعدة الأساسية للعلاقات بينهما. وهو حال مصر والخليج في اليمن وسوريا والعراق ولبنان والسودان وغزة. الخلافات الهامشية لا تلغي التوافقات في القضايا المحورية.

تقع الحرب الإيرانية في قمة القضايا التي لها علاقة مباشرة بأمن مصر ودول الخليج العربي. تستوجب تفاهمات مكثفة وعالية. ما تتمخض عنه من ترتيبات له علاقة وثيقة بالجانبين. يؤدي التقارب في الرؤى إلى التكاتف الجماعي. يسمح بوضع خطط مشتركة للتعامل مع التحديات اللاحقة. سواء سقط النظام الحاكم في إيران أم استمر وهو جريح هناك توابع تستلزم أن تكون القاهرة قريبة من دول الخليج والعكس صحيح.

المحكات التي مرت بها مصر تقول إن سياستها الخارجية تضع الخليج العربي في مقدمة مجالها الحيوي ضمن أولوياتها الإستراتيجية التي لا لبس فيها.

لا تتحدث الدولة المصرية عن مصالح اقتصادية تربطها بدول الخليج وهي كبيرة وتشمل قطاعات عديدة، لكن الحديث ينصب على القضايا الجوهرية المتعلقة بالأمن والتعاون الاستخباراتي كمعضلة رئيسية في خضم التطورات الراهنة.

لدى القاهرة مروحة واسعة وخبرة عريضة في هذين المجالين. من المفيد توظيف ذلك لتطوير العلاقات. تتطلب المرحلة المقبلة توسيع التعاون على القواعد المتفاهم حولها. لن يعدم الجانبان تحديد نقاط القوة التي يجب تعزيزها والتخلص من نقاط الضعف المزعجة.

من المهم تحييد الجهات التي تفتعل أزمات بينهما من حين لآخر. غالبيتها تعزف على أوتار شاذة. مصلحة من يروجون لها تكمن في فصل مصر عن أمن الخليج. ابعاد دول الخليج عن مساعدة مصر اقتصاديا. هذه المعادلة تفتح الطريق أمام قوى أخرى للدخول على الخط. بموجبها أيضا يتم هدم أي محاولة لصياغة أمنية عربية مشتركة. الحفاظ على توازنات تمنح جهات إقليمية ودولية غير عربية قدرة على ضبط منظومة الأمن في الخليج بالوسائل التي تحقق أهداف أصحابها.