الشرق الأوسط بين بيريز ونتنياهو

مهما كانت المكاسب العسكرية التي يمكن أن تحققها إسرائيل من حربها على إيران حاليا، فإنها لا تكفي للجزم بأنها غيّرت وجه الشرق الأوسط بما يحقق أحلام نتنياهو.

بتهكم أشار رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قبل أيام إلى مشروع شيمون بيريز الخاص بما يسمى بالشرق الأوسط الجديد. قفز عاليا بحديثه عن تمكنه من التغيير بالفعل وأن إسرائيل لم تعد قوة إقليمية رئيسية بل قوة عظمى عالميا.

دعك من الثقة المفرطة الكامنة في هذا الحديث والدعاية السياسية التي يجيدها، وركز في نتائج الحرب الإيرانية وتطوراتها المتوقعة بشأن مركزية أو هامشية إسرائيل في المنطقة.

عندما طرح بيريز مشروعه في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" كان إلى حد بعيد حكيما وواقعيا. لم يتخط حلمه أن تكون إسرائيل دولة طبيعية لها علاقات اقتصادية وسياسية جيدة مع دول المنطقة. كما انطوت فكرته على صيغة لإيجاد حل مناسب للقضية الفلسطينية واستكمال مسار أوسلو المعروف. لم تجد هذه التصورات مؤيدين كثيرين لها. تلاشت من المشهد ملامحها بعد الصعود التدريجي لليمين المتطرف.

هذا المقال لا يعنيه الصواب والخطأ في مشروع بيريز، ونجاعة القبول والرفض العربي، وما وصلت إليه القضية الفلسطينية من تراجع على الأجندة الإقليمية. ما يعنيه ظهور ممانعات كبيرة للتوجهات الإسرائيلية من هذا النوع. توجد مصدات لتحجيمها عندما تتجاوز الواقع وتسعى إلى هدم ثوابت القضية الفلسطينية.

لعلنا نتذكر ما قيل عقب انتشار الصراعات في المنطقة خلال السنوات الماضية بشأن هذه القضية وأنها خرجت من الحسابات الإقليمية بعد انتشار الحروب والنزاعات والثورات الشعبية التي نشبت في كل من العراق وليبيا واليمن وسوريا ولبنان.

ثم جاءت حرب غزة وأعادتها إلى الواجهة مرة أخرى. الأمر الذي يمكن أن تحدثه روافد الحرب الإيرانية حاليا من إعادة لضبط البوصلة على بعض الصراعات المزمنة.

نجحت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها كاملة وتمكنت إسرائيل من الوصول إلى أغراضها أو تمكنت إيران من الحفاظ على نظامها وعقدت صفقة شاملة مع واشنطن. في كل الحالات سيكون الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة مختلفة. مرحلة لن تتحول فيها إسرائيل إلى قوة عظمى كما بشر نتنياهو تتحكم في المنطقة وتسيطر على مفاصلها. قد يحدث العكس، فما قام به رئيس الحكومة الإسرائيلية يكفي لعدم الثقة في ما يروجه من تضخيم مادي ومعنوي متعمد والتشكيك في تصوراته الإقليمية.

تقدم إسرائيل عسكريا على جبهات غزة وسوريا ولبنان وربما إيران لا يكفي لتدشين ما سعى نتنياهو إلى ترسيخه في أذهان ناخبيه من تحولات واعدة تصب في صالح إسرائيل، حيث تجاهل مقومات الجغرافية السياسية ووجود قوى رئيسية في المنطقة ترفض الهيمنة والتسلط ولديها كوابح تستطيع بها فرملة طموحات نتنياهو.

في ذروة التفاخر بأنه نجح في تطبيع العلاقات مع دول عربية وإسلامية عديدة وقعت عملية طوفان الأقصى التي وجهت ضربة للقوة الغاشمة للإحتلال. ووسط حديثه عن قيامه بعمليات جراحية أدت إلى تغيير وجه الشرق الأوسط تعرضت إسرائيل لضربات قاسية في العمق من قبل إيران. بدأ التململ يخيم على قطاعات عريضة في الولايات المتحدة بسبب جموح المشروع الذي يحمله نتنياهو، والخوف من جر واشنطن إلى حروب ترفع التكلفة الاقتصادية على المواطنين وتجر الإدارة الأميركية إلى الانخراط في صراعات ممتدة لا تتواءم مع الأفكار التي جاء بها الحزب الجمهوري.

يشير عدم تجاوب غالبية الدول الأوروبية مبكرا مع نداءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول تشكيل تحالف لفك عقدة مضيق هرمز إلى رغبة في النأي عن التحركات التي تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع السياسية والاقتصادية. ورفض الإنسياق وراء الطموحات الدينية التي تفضي إلى مزيد من التوترات.

لذلك فالحديث عن تغيير الشرق الأوسط وفقا لرؤية نتيناهو يقود إلى استمرار الغليان في منطقة تمثل مصدرا مهما للطاقة في العالم. ويتسبب في نوبة يقظة جديدة للجماعات الإسلامية المتشددة يمكن أن توجه ضرباتها إلى دول غربية عدة.

زُرعت إسرائيل في المنطقة باعتبارها رأس حربة متقدمة للغرب. نجحت في أداء هذا الدور إلى حد كبير خلال العقود الماضية. عندما تصمم على تنفيذ أحلام قادتها حول مزاعم إسرائيل الكبرى والهيمنة على المنطقة سوف تتحول إلى خطر داهم على مصالح الدول الغربية نفسها، وتنتفي العلاقة العضوية بين الجانبين، وتتحول إلى عبء ثقيل وليس كنزا إستراتيجيا، ما يفتح المجال للحديث عن تشكيل مظلة من قوى إقليمية ودولية وازنة تعمل على التوصل إلى تسويات سياسية شبه عادلة للصراعات في المنطقة تتعارض مع ما خطط له نتنياهو ونشره في كتابه "مكان تحت الشمس".

كما أن وصول يد إسرائيل إلى مناطق متفرقة والتأكيد على أنها تملك فائضا كبيرا من القدرات العسكرية لن تسعفها عوامل الجغرافيا الضيقة على تثبيت ركائزها الرئيسية. المساحات الشاسعة التي تحلم بالسيطرة عليها في الأراضي الفلسطينية المحتلة وسوريا ولبنان تحتاج إلى تواجد أعداد غفيرة من القوات العسكرية لا تتوافر حاليا لدى دولة إسرائيل التي يمكن أن تظهر عليها علامات انهاك قريبا.

كما تتغافل رؤية إسرائيل إمكانية صعود حركات مقاومة جديدة بدلا من تلك التي تمكنت من إرهاقها وتهشيمها والقضاء على قدراتها العسكرية في غزة ولبنان وسوريا.

إذا كان مشروع بيريز السابق دفن لأسباب إسرائيلية وعربية ودولية متعددة، فإن مشروع نتنياهو الذي حدد معالمه صراحة سيدفن أيضا ببطء، مع إضافة قوة دفع دولية ترى خطورة شديدة في مشروع ينسف الكثير من التوازنات التي أقامتها الدول الأوروبية الممتعضة من تصرفات ترامب معها. ويمكن أن يستحضر روح وقوة الصين الخفية، حيث يريد نتنياهو تشييد شبكة طرق جديدة تلحق ضررا بالغا بمشروع الحزام والطريق الذي تتبناه بكين بالتعاون مع قوى إقليمية مختلفة ما يدفعها إلى التخلي عن فضيلة الصمت، لأن مشروع نتنياهو وما يحمله من آمال كبيرة سوف يؤدي إلى تحولات دراماتيكية في منطقة لا تستطيع بعض دولها القبول بتبعاته.

مهما كانت المكاسب العسكرية التي يمكن أن تحققها إسرائيل من حربها على إيران حاليا، فإنها لا تكفي للجزم بأنها غيّرت وجه الشرق الأوسط بما يحقق أحلام نتنياهو، فقد تستيقظ قوى إقليمية ودولية على تهديدات أشد من تلك التي مثلتها إيران وتُدفع نحو تحالفات تقف عائقا أمام تصورات نتنياهو حول إعادة هندسة الشرق الأوسط.