إشكالية الجغرافيا السورية، أزمة المعنى ورهان الرؤية الوطنية

هل يمكن ترميم الخارطة السورية الممزقة قبل ترميم الرؤية الوطنية المتصدعة، وكيف يمكن للرؤية الوطنية الجامعة أن تتحول من مجرد شعار إلى معبر إجباري لا مناص منه نحو مستقبل مستقر وذو سيادة؟

بات واضحاً بأن جُل المعطيات التي تؤطر الحدث السوري بعناوينه وإشكالياته، تتجاوز في جوهرها مسار التحليلات التقليدية التي تختزل المشهد السوري في صراع على المكاسب الميدانية ورسم خرائط القوى، فالأزمة الحالية تستقر في منطقة أكثر عمقاً وخطورة، خاصةً أن الأزمة الوجودية للدولة، هي في العمق أزمة المعنى والتعريف، لا سيما أن المشهد السوري لم يشهد تشرذماً جغرافياً عابراً فحسب، بل شهد ضمن ذلك تشظياً مدوياً للسردية الوطنية التي كانت تمنح السوريين يوماً إطاراً للانتماء إلى كيان سياسي واحد، نتيجة لذلك فإن الوقوف على عتبة صياغة رؤية وطنية جامعة أصبح ضرورة وجودية لاستنقاذ فكرة "سورية الوطن" من التلاشي.

في ظل هذا التشظي الذي توضحت مساراته في أكثر من ظرف وطني، تبرز الحاجة الماسة إلى تفكيك العلاقة الجدلية بين المتخيل الجغرافي كأفق للهوية، والواقع السياسي كمحصلة للصراع؛ لنتساءل؛ هل يمكن ترميم الخارطة السورية الممزقة قبل ترميم الرؤية الوطنية المتصدعة، وكيف يمكن للرؤية الوطنية الجامعة أن تتحول من مجرد شعار إلى معبر إجباري لا مناص منه نحو مستقبل مستقر وذو سيادة؟

إن السؤال الجوهري حول ما إذا كانت الرؤية الوطنية تسبق استعادة وحدة الجغرافيا أم تتبعها، يضعنا أمام جدلية الروح والجسد في كيان الدولة السورية الجديدة، فالجغرافيا هي الجسد المادي للدولة المُتمثل في حدودها ومساحتها وواقعها الملموس، أما الرؤية الوطنية فهي الروح والمعنى والخطاب الجامع الذي يمنح هذا الجسد شرعية البقاء والاستمرار، والهوية الجامعة التي تتجاوز التمايزات. في الحالة السورية يبدو الانقسام الجغرافي ليس مجرد نتيجة للصراع، بل انعكاساً مباشراً لانقسام وتفتت المخيلة الوطنية والوجدان الجماعي، ما يجعل من صياغة رؤية سياسية وطنية جامعة هي شرط الوجود الأول لأي كيان سوري مستقبلي ذي معنى.

وربطاً بذلك فإن انتظار توحيد الأرض بالوسائل العسكرية القسرية، أو عبر صفقات دولية فوقية لا تبالي بالوجدان الشعبي والوطني، قبل صياغة رؤية جامعة ومتوافق عليها، هو رهان محفوف بالمخاطر على جسد بلا روح، كما أن أي توحيد قسري للجغرافيا لا يستند إلى توافق وطني عميق حول ماهية الوطن وخصائصه، سيبقى توحيداً هشاً وقابلاً للانفجار عند أول منعطف داخلي أو خارجي. لذا، فإن الرؤية الوطنية يجب أن تسبق التوحيد الجغرافي، لأنها تمثل فعل الجاذبية الوطني الذي يوحد الرؤى المبعثرة، ويمنح المواطن في أطراف الجغرافيا السورية سبباً وجدانياً وسياسياً ووطنياً ليعود جزءاً لا يتجزأ من الكل الوطني.

بهذا المعنى، يصبح مفهوم "الجماعة المتخيلة" الذي صاغه عالم السياسة بنديكت أندرسون محورياً، حين قال "إن الأمة هي جماعة متخيلة سياسياً، وهي متخيلة بوصفها محدودة وذات سيادة جوهرياً". إن هذا التخيل ليس وهماً أو سراباً، بل هو العقد العميق الذي يربط المواطنين ببعضهم البعض، وبأرضهم وتاريخهم ومستقبلهم المشترك، فالسوري في أقصى الجنوب المثقل بعبء الانتماءات الفرعية، يحتاج لأن يتخيل نفسه شريكاً حقيقياً للسوري في أقصى الشمال وعموم سوريا، في ذات الهم الوطني، وفي ذات المستقبل المتطلع إلى السيادة والكرامة، وبهذا فإن الرؤية الوطنية في هذا الإطار هي المحرك الأيديولوجي والسياسي الذي يولد هذا التخيل، وهي التي تمنح وحدة الجغرافيا معناها القيمي والوجودي، وبدون هذه الرؤية الجامعة تبقى الجغرافيا مجرد مساحة جيوسياسية للمناورات والتحالفات الإقليمية والدولية بمستوياتها كافة، حيث يُصبح الإنسان السوري مجرد ورقة في صراعات لا يمتلك زمامها، وبالرؤية الوطنية تتحول الجغرافيا إلى وطن يحمل معنى، من هنا تصبح الرؤية هي المعبر الإجباري الذي يستلزم عقداً اجتماعياً جديداً، يُعاد فيه تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، ويُضع فيه مصلحة الإنسان السوري وسيادته فوق كل اعتبار، ويُحول التنوع المجتمعي من مصدر ضعف وفتنة إلى ركيزة أصيلة للبناء والتنمية المشتركة.

إن صياغة الرؤية الوطنية كشرط للتوحيد الجغرافي تعني أننا نتفق على شكل الدولة ومواصفات العيش المشترك فيها، وعلى قيم المواطنة والعدالة والسيادة، قبل أن نستعيد مفاتيح الاستقرار السياسي أو الإداري، وهذا الاتفاق الجوهرى هو الذي يجعل عملية استعادة الجغرافيا عملية وطنية خالصة، تُمارس باسم الشعب ولصالحه، لا عملية غزو أو استيلاء من قبل طرف على حساب الأطراف الأخرى، خاصةً أن الرؤية الوطنية في هذا الإطار هي التي تمنح الجغرافيا وحدتها الروحية والقانونية، هي التي تحول الحدود الإدارية الجامدة إلى حدود وجدانية حية، تُرسخ شعوراً عميقاً بالانتماء.

لذا فإن المعضلة السورية لن تجد طريقها للحل المستدام إلا إذا أدركت النخب السورية بكل أطيافها أن وحدة الكلمة هي التي تصنع وحدة الأرض، وأن السيادة على المعنى والخطاب الوطني هي المقدمة الضرورية للسيادة على التراب والجغرافيا، وبين هذا وذاك، فإن صياغة هذه الرؤية وسط هذا الحطام هي المهمة الأصعب والأكثر تعقيداً، لكنها في ذات الوقت، هي الطريق الوحيد لضمان أن تكون سوريا القادمة وطناً حقيقياً لجميع أبنائها، لا مجرد ساحة لتصفية حسابات الآخرين أو لفرض وصايات خارجية. هنا يبدأ المستقبل، من اللحظة التي يقرر فيها السوريون استعادة حقهم الأصيل في تسمية أنفسهم وتسمية حلمهم بأصواتهم هم، لا بأصوات الرعاة الإقليميين والدوليين أو أجندات المحاور المتصارعة.

إتساقاً مع ما سبق فإن جوهر فكرة السيادة تبدأ من امتلاك القاموس الوطني والتحكم بالسردية الوطنية الحقيقية، فالسيادة في أعمق تجلياتها هي القدرة على فرض المعنى الوطني المشترك، وهي القدرة على بناء خطاب بشكل جامع. الصراع في سوريا اليوم هو صراع تسميات بامتياز، خاصة أن المصطلحات التي تُستخدم في السياق السوري لوصف الماضي والحاضر والمستقبل هي التي تحدد هوية المنتصر والمهزوم والشريك والعدو المظلوم والظالم، وعندما نصل إلى مرحلة يعجز فيها السوريون عن الاتفاق على اسم لحدث تاريخي مؤثر أو تعريف لعدو مشترك يهدد سورية، أو توصيف لقيمة المواطنة التي تجمعهم، نكون أمام حالة من التفكك الكامل للسيادة الوطنية، ليس فقط على الأرض بل في الوعي الجمعي ذاته.

بناءً عليه، فإن استعادة السيادة الوطنية تبدأ من استعادة اللغة الوطنية الجامعة، بمعنى بناء الخطاب الوطني الذي يجب أن يتجاوز لغة الغلبة والإقصاء التي يسعى فيها كل طرف لفرض تسمياته على الآخر، نحو لغة الشراكة والاعتراف المتبادل، التي تعيد تسمية السوريين كأحرار متساوين في وطن لا يملكه أحد بمفرده، بل هو ملك مشترك للجميع. ختاماً، في الإجابة على التساؤل الأساسي حول أولوية الرؤية الوطنية أم وحدة الجغرافيا السورية، يظهر بوضوح أن الرؤية الوطنية الجامعة هي التي يجب أن تسبق التوحيد الجغرافي كشرط جوهري له، وليس العكس، نتيجة لذلك فإن البديل الوحيد لذلك هو بناء رؤية وطنية جامعة، تصنع من الشتات لُحمة وطنية وتُعيد لسوريا مكانتها كوطن يتسع للجميع دون استثناء، ويستمد قوته من وحدة أبنائه حول معنى جامع للسيادة والكرامة.