الجزء الغاطس في العلاقة بين مصر ولبنان

عندما تسعى مصر نحو تفعيل دور وساطة للتوصل إلى تهدئة في المنطقة لا بد أن تكون بيروت محطة رئيسية فيها بسبب تفاعلات إقليمية متباينة دفعتها لتكون في قلبها.

القاهرة- يعتقد كثيرون خطأ أن لبنان بعيد عن شواغل مصر، بينما هو يقع في قلب اهتماماتها الإستراتيجية بحكم موقعه الجغرافي وقربه من أكثر مراكز التصعيد سخونة في الشرق الأوسط وله أولوية في أجندة القاهرة في ظل تقاطعات إقليمية ودولية عديدة، ليست وليدة اليوم الذي يتعرض فيه هذا البلد لضربات إسرائيلية موجعة فاقت الحدود التقليدية، ولا وليد النشاط العسكري الملحوظ لحزب الله مؤخرا.

كشفت زيارة قام بها وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي على رأس وفد رفيع المستوى إلى لبنان قبل أيام عن جانب من الأهمية الحيوية التي توليها القاهرة لبيروت. أكدت أنها واحدة من العواصم المحورية في المنطقة، تتلامس تطوراتها مع ما يجري على ساحات إيران وسوريا والعراق وقطاع غزة واليمن وإسرائيل.

عندما تسعى مصر نحو تفعيل دور وساطة للتوصل إلى تهدئة في المنطقة لا بد أن تكون بيروت محطة رئيسية فيها بسبب تفاعلات إقليمية متباينة دفعتها لتكون في قلبها.

أتذكر أن مسؤولا مصريا حدثني قبل سنوات قليلة أنه ذاهب إلى لبنان للحفاظ على حصة مصر. لم أفهم العبارة ومغزاها. سألته ماذا تقصد؟ كانت إجابته مختصر ومفيدة "لنا حصة تاريخية في لبنان نسعى للحفاظ عليها ولا نريد التفريط فيها"، في إشارة ضمنية إلى أن القاهرة لها علاقات جيدة مع غالبية القوى اللبنانية الرئيسية تريد استثمارها في الحد من التصعيد الراهن.

وقتها كان الحديث عن دور إيران في لبنان طاغ، وحزب الله يتشبث بموقفه السياسي الرافض لفكرة تسليم سلاحه للجيش اللبناني وما تمخض عنه هذا الموقف من تجاذبات.

لا أعلم ماذا حدث عقب زيارة المسؤول التي لم تكن قصيرة حسب ما فهمت. دبلوماسية القاهرة تعتمد على النفس الطويل، وبعض الثوابت الرئيسية أهمها: التمسك بوحدة واستقرار الدول العربية وعدم القبول بوجود سلاح خارج نطاق الجيوش النظامية التي يؤدي ضعفها إلى إنهيارات سريعة للدول ودعم المؤسسات العسكرية الرسمية والعمل على تقويتها كرافعة في مواجهة الميلشيات والجماعات المسلحة ورفض أي تدخلات في شؤون لبنان أو غيره وتغليب التسويات السياسية على الحلول العسكرية.

تتحرك القاهرة في إطار واضح من هذه النقاط. أعلن الوزير بدر عبدالعاطي عن أهداف زيارته لبيروت بما يعزز المحددات السابقة التي باتت مقياسا في فهم كثير من التصورات والتحركات المصرية. لم تتغير في أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة والضربات التي شنت على كل من لبنان وسوريا. لا تزال هذه النقاط عنصرا رئيسيا في الجهود التي تقوم بها القاهرة بالتعاون مع كل من تركيا وباكستان بغرض وضع حد للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى.

الجزء الغاطس في العلاقات بين مصر ولبنان يتعلق بأن البلدين يتشكلان من موزاييك حضاري مشترك يصعب تجاهله في خضم التطورات الإقليمية. يساعد على تقريب المسافات بين القيادات السياسية في البلدين. يزيل حساسيات شعبية يمكن أن تطفو فجأة على السطح، كما هو الحال بين مصر ودول عربية أخرى يمكّن القاهرة من الانفتاح على جميع القوى اللبنانية بتنويعاتها المختلفة وإن لم تكن هناك علاقات جيدة ودافئة بين الجانبين لا نشاهد توترا سياسيا يؤدي إلى تصعيد يستمر فترة طويلة.

قد تتراجع مصر خطوة أو أكثر إلى الوراء وعن الانهماك في الشأن اللبناني بسبب همومها الداخلية والتعقيدات المعروفة في بيروت، لكنها لا تتجاهل ما يجري في لبنان أو تنفض يديها من تطوراته السلبية. وسط التجاذبات بين إيران ودول عدة على لبنان لم تظهر القاهرة انحيازا لأحد أو تتخذ موقفا يضر بوحدة الدولة كأحد الثوابت الرئيسية في التصورات الخارجية عندما تتاح الفرصة للتدخل لا تتردد مصر في ذلك.

مهما كانت نتيجة الحرب الإيرانية ثمة تطورات إقليمية ظهرت معالمها تشير إلى أن الصيغة التي عملت بها طهران على مدار عقود ماضية في لبنان ودول أخرى لم تعد مقبولة أمنيا وسياسيا.

أصبحت فكرة التحالف مع قوى خارج نطاق الدولة مرفوضة. أخذت تفقد الكثير من مقوماتها الأمنية والسياسية. يسود اعتقاد جازم بأن ما يسمى بالوكلاء والأذرع والأدوات يمثلون خطرا داهما على الدول العربية التي ينشطون فيها. تستغل هذه المسألة ذريعة من قبل إسرائيل لتحقيق أهدافها التوسعية.

حدثت لقاءات في بيروت بين عناصر الوفد الذي رأسه وزير الخارجية المصرية وقوى لبنانية مختلفة، بينها ممثلون لحزب الله. جرت مناقشات حول الترتيبات التالية لوقف الحرب الإيرانية بشأن دور الحزب. تم التشديد على ضرورة حصر السلاح في يد المؤسسة العسكرية النظامية مع إيجاد طريقة توافقية وطنية من أجل نزع الورقة التي تتذرع بها إسرائيل لتوجيه ضربات قاسية إلى لبنان. تفشيل خططها في التمركز الأمني الدائم جنوب نهر الليطاني. فتح الباب نحو عودة المهجرين من الجنوب بدلا من تمركزهم في الوسط والشمال وما يترتب عليه من ثقل ديموغرافي ومماحكات شعبية وسياسية وطائفية تستفيد منها إسرائيل.

من الصعب تطبيق هذه النوعية من التوجهات في الوقت الراهن. ربما يعتبرها البعض خيانة أو تواطؤا مع إسرائيل ودعما للولايات المتحدة، لكن الفكرة المركزية يجب أن تكون حاضرة بقوة من الآن. التوازنات المختلة التي سادت فترة طويلة قبل عملية طوفان الأقصى والحرب الإيرانية يصعب استمرارها في ظل النتائج التي أسفرت عنها تفعيل ورقة الأذرع وما أدت إليه من انعكاسات على لبنان تحديدا، فقد تعرض إلى ضربات وعرة تجاوزت حدود المكونات العسكرية التابعة لحزب الله ومحاولة شل حركته جنوب الليطاني ونالت من البنية التحتية للدولة اللبنانية.

تعمل مصر على أن تكون الحلول المتوقعة لوقف الحرب الإيرانية ذات أبعاد إقليمية شاملة. كما سعت عند القبول لوقف إطلاق النار في غزة لتكون بداية لإيجاد حل عملي للقضية الفلسطينية تريد أن تشمل أي تسوية منتظرة لهذه الحرب التوصل إلى صيغة تنهي المأساة التي يعيشها لبنان من حوالي أربعة عقود.

هشّمت كثافة التدخلات الخارجية من إيران أو غيرها جزءا كبيرا من أركان الدولة في لبنان. أوجدت صراعات عسكرية وسياسية وطائفية تغذت عليها بعض القوى التي تريد استقرارا هشا وهو ما يجعل عملية الربط بين لبنان وبين إيران يشكل جوهرا للتعرف على ملامح المرحلة المقبلة. إذا فشل الربط ونجحت إسرائيل في الفصل فهذا يعني أننا أمام حلقات جديدة أشد قتامة سوف يواجهها لبنان خلال الفترة المقبلة.