غلق باب المندب خطأ إستراتيجي فادح
القاهرة- ألمحت إيران أكثر من مرة إلى أن تعطيل سفن النفط والغاز وسلاسل الامدادات التجارية لن يقتصر على مضيق هرمز. هناك مضيق آخر سيواجه المصير نفسه إذا لم تتوقف الحرب. مع إطلاق أول صاروخ من قبل جماعة الحوثي في اليمن باتجاه إسرائيل صباح الجمعة بدأت التوقعات تزداد حول غلق مضيق باب المندب.
قد ترتكب إيران خطأ إستراتيجيا فادحا إذا حرّضت جماعة الحوثي على غلق باب المندب، فالخطوة تشير إلى أن قدراتها العسكرية أوشكت على النفاد. ذخيرتها من المعدات القتالية تأثرت بقوة جرّاء آلاف الضربات التي تعرضت لها.
دخول الحوثي على الخط يعني فتح كل الجبهات واستخدام كل الأذرع. لا تملك طهران ما تدخره للمستقبل، تثبت في العقل الجمعي العام أن ما يسمى وحدة الساحات لا زال قائما، يمكن أن تتسبب في تكتيل تحالف واسع ضدها. تحقق هدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحويل غلق مضيق هزمز إلى نقطة تلتقي عندها إرادة المجتمع الدولي.
أخفق الرئيس ترامب في حث حلف شمال الأطلسي (ناتو) على دخول المعركة ضد إيران منذ اندلاع الحرب. لم يستطع اقناع دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا المشاركة معه في الحرب. خنق الملاحة في مضيق باب المندب وتعطيلها في البحر الأحمر بعد هرمز يعد تطورا مثيرا، يحدث تحولا دراماتيكيا في الموقف الغربي. هناك قوة أوروبية (أسبيدس) تشكلت منذ نحو عامين لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن من هجمات الحوثيين والتصدي لأي تهديدات من جانبهم.
إذا كان تنشيط ورقة الحوثي من خلال إطلاق بضعة صواريخ على جنوب إسرائيل رسالة تصعيد لمواجهة التحشيد العسكري الذي تقوم به الولايات المتحدة بموجب إرسال المزيد من السفن وقوات المارينز إلى المنطقة، فهو رسالة خاطئة لأن التجهيزات التي تقوم بها واشنطن لن يردعها إطلاق صواريخ من اليمن على أهداف داخل إسرائيل أو ضد مصالح أميركية أو حتى غلق مضق باب المندب.
يشير الوصول إلى هذه الحلقة إلى وقوع ضرر كبير بالتجارة الدولية. تكاتف الكثير من الدول مع ما تريده الولايات المتحدة بعد أن فشلت في ذلك عقب غلق مضيق هرمز.
تضر خطوة الغلق بمصالح مصر التي تبذل جهود للوساطة بالمشاركة مع كل من باكستان وتركيا من أجل وقف الحرب الإيرانية. تتكبد القاهرة خسائر جديدة بتعطل مرور سفن الملاحة في البحر الأحمر ومن ثم إلى قناة السويس ومنها إلى أوروبا، ما يعيد إلى الأذهان الخسائر المادية السابقة عندما أفضت تهديدات الحوثي للسفن الأميركية والإسرائيلية إلى عدم مرور العديد من السفن عبر البحر الأحمر. وما أن بدأت قناة السويس تتعافى نسبيا حتى أغلق مضيق هرمز وقد يتعرض مضيق باب المندب للسيناريو نفسه قريبا.
يمثل غلق باب المندب تحريضا دوليا ضد إيران يجعلها في مواجهة دول عدة لها تحفظات على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، يضعها في خانة من تهدد الأمن والسلم الدوليين والتجارة العالمية، تفقد كل تعاطف يمكن أن توجده الضربات القاسية التي تعرضت لها بعض مؤسساتها المدنية. تُنزع عن طهران محاولة حصر المعركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومصالحهما في المنطقة، توسيع نطاق الحرب بالشكل الذي يجبر بعض الدول على الانخراط في تحالف لمواجهتها.
منذ أن لوّح المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في أحد بياناته عقب توليه منصبه بعد مصرع والده بورقة باب المندب، تنتظر الولايات المتحدة دخول الخطوة حيّز التنفيذ تمنحها مساحة أكبر للمناورة وترفع عنها عناء إيجاد مسوغات دولية ذات تكاليف باهظة وتوفر لها فرصة للحركة بما يعزز قناعاتها الرائجة بشأن سردية الحرب الرئيسية وهي أنها تحارب إيران بوصفها تمثل خطرا على العالم.
يبدو توظيف ورقة مضيق هرمز مقبولا باعتباره يقع بالقرب من سواحل إيران نتيجة مباشرة للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها من قبيل رفع التكلفة الاقتصادية وممارسة ضغط على المجتمع الدولي لإجباره على السعي لوقف الحرب من خلال الضغط على واشنطن. إحداث انكشاف في التصورات الأميركية بوصفها عاجزة وغير قادرة على التعامل مع المعطيات الإقليمية الحرجة. تحميل الإجراءات الأميركية المنفردة مسؤولية ارباك مسار الملاحة في منطقة لها خصوصية طاقاوية. زيادة في منسوب الغضب الغربي من التوجهات الأحادية التي يتبناها الرئيس ترامب.
لم تحقق الحسابات الإيرانية أيا من هذه الأهداف سريعا، ضاعفت من الإصرار الأميركي على الحسم العسكري جرى استغلالها في الإيحاء بأن طهران تضع المصالح الغربية في سلة واحدة، لا يهمها حجم الأذى الناجم عن تعطل سفن الملاحة وما يجلبه من تطورات سلبية تتجاوز حدود الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، فما بالنا إذا أقدمت إيران بمساعدة جماعة الحوثي على غلق مضيق باب المندب؟
تؤكد النتيجة المباشرة أن إيران تخسر معركتها وتوفر للولايات المتحدة غطاء أخلاقيا لم تتمكن من الحصول عليه عندما شنت الحرب وسط مفاوضات أجراها الجانبان في جنيف.
فشلت واشنطن في توصيل روايتها حول حشر طهران في زاوية ضيقة أرادها ترامب بوصفها دولة خطرة ومتمردة وتنتهك القوانين الدولية وتسعى إلى امتلاك قنبلة نووية تهدد بها العالم. يؤدي غلق باب المندب إلى إغلاق أبواب المفاوضات بين واشنطن وطهران، أو على الأقل تقويض فرص نجاحها.
كما يجعل من مهلة منحها الرئيس الأميركي لإيران حتى السادس من أبريل/نيسان المقبل فرصة لاستهداف مصادر الطاقة. عدم الاعتداد بالنداءات التي تطالبه بمزيد من التريث وإن لم تنضم معه دول عديدة للحرب ستكون مضطرة للمشاركة قسرا في أي عمل جماعي يرمي إلى فك طلاسم مضيقي هرمز وباب المندب.
رفعت إيران صوتها عاليا بشأن باب المندب بإطلاق جماعة الحوثي صواريخ على إسرائيل. انتظرت قياس ردود الفعل الدولية. وجدتها سيئة عليها وغير مواتية لها، ما يدفعها نحو أحد خيارين: تجميد ورقة الحوثي مؤقتا أو حصرها في توجيه صواريخها نحو إسرائيل وتجاهل اللجوء إلى إغلاق مضيق باب المندب في الوقت الراهن.
في الحالتين لم تستبعد إسرائيل تهديدات الحوثيين وربما تنتظرها لخدمة أهدافها في إطالة أمد الحرب. توفير مبررات قوية للتخلص من حلفاء ووكلاء وأذرع إيران في المنطقة.