روسيا في ميزان الاتزان الاستراتيجي المصري
القاهرة - كشف المؤتمر الصحافي الذي عقده وزيرا خارجية مصر بدر عبد العاطي وروسيا سيرغي لافروف في موسكو الجمعة عن جوانب مهمة في قواعد العلاقات السياسية بين البلدين. أبرزها أنها وصلت إلى مرحلة متقدمة من التعاون والتنسيق والتفاهم في عدد من القضايا الثنائية والإقليمية والدولية. ما ينطوي على إمكانية نحو صياغة منظومة جديدة حيال بعض التفاعلات القلقة على الساحة العالمية.
تحدث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي منذ سنوات عما أسماه الاتزان الاستراتيجي في علاقات القاهرة بالعالم. وقتها تساءل مراقبون عن كيفية الحصول على صيغة تضمن لمصر علاقات متوازنة مع قوى في الغرب والشرق في وقت تتزايد فيه التحديات والتناقضات وتتراجع فيه القدرة على المواءمات. أصدرت وزارة الخارجية قبل أسابيع كتابا بعنوان "الاتزان الاستراتيجي.. ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات". رصد الكثير من التحولات التي تخدم رؤية السيسي.
عززت زيارة وزير الخارجية بدر عبدالعاطي لموسكو القناعات بأن مصر نجحت في الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وروسيا في آن واحد. يضاف ذلك إلى ظهور مؤشرات تؤكد أن علاقات القاهرة مع بكين وصلت إلى مستوى مرتفع من التعاون. كما تطورت مع دول أوروبية عدة في مجالات سياسية واقتصاية وعسكرية. ما يعكس فكرة التوازن التي جعلتها القاهرة جزءا أساسيا في توجهاتها الخارجية.
تعرض وضع روسيا ضمن البوتقة المصرية المتعلقة بالاتزان إلى تقديرات متفاوتة. بعضها رأى صعوبة في نجاح القاهرة في عملية الجمع بين واشنطن وموسكو في سلة واحدة بسبب وجود تنافر كبير في الحسابات الاستراتيجية. بعضها قال إن القوى المتوسطة ودول الجنوب يستحيل أن تكسب رضاء القوى الكبرى معا.
هناك من ذهبوا إلى أن مصر تستفيد من التغيرات التدريجية في النظام الدولي وعدم القدرة على البقاء في نفس الخندق الذي يسير فيه العالم منذ نهاية الحرب البادرة. لا بد من بلورة معادلات تكسر الاحتكار الذي جعل من الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة ومهيمنة على مفاتيح العالم. لن يتحقق ذلك من دون تحركات تؤدي إلى تطورات تجبر كثيرين على التفكير في أنماط جديدة من التفاعلات.
وضعت القاهرة موسكو في مرماها منذ فترة طويلة. تذبذبت العلاقات. شهدت مراوحات بين التحسن والخمول. سعت مصر مؤخرا إلى تحويل روسيا لهدف يمنحها مرونة في الحركة. ظهرت خلافات متباينة. صعدت وهبطت. النتيجة التي وصلت إليها حصرتها في نطاق ضيق من المصالح. غالبيتها له طبيعة سياسية واقتصادية. بعضها له سمة عسكرية. نصفه على الأقل مكوناته مجهولة.
ركز الجانبان على الجوانب التي تلتقي فيها المصالح. تساهم موسكو في تشييد مفاعل الضبعة النووي في شمال مصر. تقيم منطقة صناعية في شرق قناة السويس. أخذت العلاقات تطرق أبوابا ذات محتوى إستراتيجي بلا إعلان رسمي. في مقدمتها العمل على توظيف الهامش الذي تركته الولايات المتحدة في العالم. يتمثل في انسحاب واشنطن من التفاعل مع بعض القضايا. التعامل مع عدد من الملفات بانتقائية. الإنحياز إلى أفكار تزعج قوى حليفة لها. التنصل من التمسك بالقوانين الدولية وعدم الحفاظ على شرعية المنظمات الأممية والتخلي عن الدور الإنساني والأخلاقي.
التقت مصالح مصر وروسيا عند ضبط الزوايا السابقة. تحركت الأولى بهدوء. استفادت الثانية من أخطاء الولايات المتحدة. نجحت القاهرة وموسكو في تأكيد أن الخلافات في أو حول قضية لا يفسد التفاهمات في أخرى.
مددت مصر الخط على استقامته مع قوى عدة. تمكنت من الحصول على وصفة متمساكة لما أطلقت عليه الاتزان الاستراتيجي. ساعدها على توسيع نطاق روابطها مع الغرب والشرق والشمال والجنوب. انضمت القاهرة إلى بريكست دون أن تتخلى عن الغرب. لم تتأثر القاعدة المتينة مع واشنطن بتصورات تتبناها مصر ولا تتفق تماما مع الرؤية الأميركية. لم تأت التوجهات نحو روسيا والصين وغيرهما على حساب الولايات المتحدة. كيف وصلت القاهرة إلى هذه الصياغة الدقيقة؟
يكفي النظر إلى التعامل المصري مع الأزمات والصراعات والحروب الإقليمية للحصول على إجابة مقنعة. اعتمدت القاهرة على تغليب منطق التسويات السياسية. المشاركة بالوساطة والدبلوماسية لوقف التصعيد ومنع تفجير الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. النأي عن الانخراط العسكري في الصراعات. رفض الانجرار وراء استفزازات حاول البعض جرها إليها للتدخل في أزمات: ليبيا والسودان وقطاع غزة وإثيوبيا. كانت التهديدات التي تعرضت لها الملاحة في جنوب البحر الأحمر وتأثيرها على ماديا على قناة السويس كفيلة بخلط الأوراق وتغيير المسارات.
يبدو أن مصر وروسيا والصين وتركيا وباكستان والسعودية، وربما دول أخرى في أوروبا، اتفقت ضمنيا على السعي لمنع الانفلات في المنطقة. ساهم هذا التوجه في زيادة الحركة أمام الدول الراغبة في تحقيق السلام. لم تلجأ التصرفات المصرية إلى الدبلوماسية كأداة وحيدة لوقف الصراعات. رافقتها بتطوير لافت في المعدات القتالية وتحديث كبير داخل المؤسسة العسكرية المصرية. جعل إسرائيل تعبر عن قلقها. رأت فيه تهديدا مباشرا لها وعدم اتساق مع ما حوته معاهدة السلام بين البلدين من بنود تضع حدا قليلا للمعدات العسكرية المتواجدة في سيناء.
تعد روسيا جزءا رئيسيا في معادلة الاتزان الاستراتيجي. ليست بحسبانها من القوة الكبرى التي تناطح الولايات المتحدة، بل أيضا لأنها ترى في مصر دولة محورية. ركيزة لأي قوة تطمح للتأثير في التفاعلات الدولية. تطوير العلاقات يكسب كل طرف مقومات كبيرة. يحد من فرص التأثير الأميركي على الجانب المصري. يجعل واشنطن تتمسك بالتفاهم مع القاهرة وعدم الدخول في عداء مكشوف معها. في كل المطبات التي تعرضت لها العلاقات بين مصر والولايات المتحدة قدمت الأخيرة الاحتواء على الصدام. التعاون على الخلاف. التهدئة السياسية على السخونة العسكرية.
أفضت سياسة الاتزان إلى اقتراب مصر من روسيا والصين والولايات المتحدة وغيرهم. لم يتم فهم زيادة جرعة الاقتراب على أنها موجهة نحو جهة أخرى. ثبات المنهج وعدم تغييره عمّق الثقة في التصورات المصرية. بشكل يصعب تصنيفها على أنها تميل إلى قوى كبرى على حساب أخرى. قد يحقق الوقوف في المنتصف أهداف الدولة المصرية. لكن السؤال الذي يبحث عن إجابة: هل تستطيع القاهرة التمسك بهذه السياسة إذا هبت عواصف جديدة أم تفرض عليها المفاضلة بين الخيارات؟ لأن مفردات الاتزان والحياد والانفتاح على الجميع يصعب صمودها عند الملمات.