اختزال الحرب في مضيق هرمز
بدأت بعض الرؤى الغربية والعربية السائدة الآن تختزل الحرب الإيرانية في الآلية التي يتم بها فتح مضيق هرمز. الرئيس الأميركي دونالد ترامب كتب الأحد "افتحوا المضيق اللعين"، مهددا بالجحيم.
دول في آسيا لجأت للتفاهم مع طهران لمرور ناقلاتها. فرنسا تتحدث عن مبادرة لتفكيك العقدة. باكستان تتجه للتنسيق مع الصين لتشكيل تحالف ناعم. مجلس الأمن يناقش قرارا لفتحه بالقوة. عدد كبير من التحركات سلطت الضوء على توابع هرمز. يتم تجاهل التداعيات الناجمة عن عملية الفتح سلما أم حربا.
وضع تحذير الرئيس ترامب مسألة فتح مضيق هرمز ضمن أولوياته التي تحدد اتجاه البوصلة خلال الساعات المقبلة بعد أن قلّل من أهميته وزعم أن بلاده ليست بحاجة إليه وغير متضررة من تعطيل مرور الملاحة، عاد وتحدث بقوة عنه، لأن الغلق يمس هيبة الولايات المتحدة.
الممر الدولي كان مفتوحا قبل الحرب. استخدمته إيران كأداة لزيادة التكلفة الاقتصادية على الجميع والسعي نحو خلق ضغط كبير على واشنطن بسبب ما نجم عن الغلق من ارتفاع بأسعار الطاقة في غالبية دول العالم.
تراجعت أفكار البحث عن وقف الحرب. التصريحات تبدأ وتنتهي عند المضيق. ضاعفت إيران من حدة الأزمة عندما طالبت بترتيبات تنظم عملية المرور لصالحها. فرض رسوم على السفن العابرة كأن المضيق الذي تحميه قوانين دولية وتجعل المرور فيه وفقا لأدبياتها صناعة إيرانية.
فرّغ اتساع نطاق اللغط حول هرمز الأزمة من المضمون العسكري الرئيسي. أوجد الجدل أمرا واقعا يمنح طهران يدا عليا في التعامل مع الروافد الجديدة. سوف تظهر التجليات بوضوح عقب انتهاء الحرب وموقع إيران الجيوسياسي. هل تتكبد هزيمة شاملة، عسكرية وسياسية واقتصادية، أم نجحت في تجاوز الصعوبات التي تحيط بها؟
تحدد نوعية الإجابة المسار الذي سيكون عليه مضيق هرمز بعد أن زاد الاهتمام به. بات الحلقة التي تلتقي عندها الكثير من عناوين وسائل الإعلام. تدوينات كبار المسؤولين تركز على التطورات والمآلات، شكل التصرفات الإيرانية معه وفي أي اتجاه. اليوم تسمح بمرور عدد من السفن الصينية والماليزية. غدا توافق على عبور ناقلات تنقل نفطا عراقيا. بعد غد لا أحد يعرف شكل الانحناءة الإيرانية.
تحول هرمز إلى ورقة للمناورة بعد إحكام السيطرة عليه وصعوبة النتائج المترتبة على فتحه عسكريا وما يمكن أن تؤدي إليه، وجدت طهران نفسها في موقف يسمح لها بمساومة المجتمع الدولي. وقف إطلاق النار يساوي فتح المضيق. معادلة تمكنها من تحقيق نصر رمزي لن تقبل به الولايات المتحدة وترفضه دول أخرى تعرضت لاستهداف مصالحها الحيوية. الرضوخ لهذه المعادلة يعني أن إيران تفرض إرادتها.
مع حساسية الموقف الذي تمر به الولايات المتحدة في مواصلة الحرب أو وقفها، يصعب القول إنها توافق على مطلب إيران الذي يساعدها على صياغة منظومة المضيق بما يتواءم مع مصالحها بعد أن تصمت المدافع ويتوقف أزيز الطائرات في الخليج ويتجه كل طرف للقيام بجردة حسابات دقيقة تتعلق بالمكاسب والخسائر.
تعلم طهران أن التركيز على مضيق هرمز يقلل من التعرض لما فقدته في الميدان على مدار الأسابيع الخمسة الماضية. تعلم واشنطن أن منحه أهمية فائقة يحجب الضوء عن العثرات التي واجهتها طائراتها في السماء الإيرانية.
تحول الاهتمام بهرمز من ورقة ابتزاز إلى مساومة وربما أكثر من ذلك. العالم يتحدث بكثافة عنه. دول عديدة تتجاهل أسباب الحرب وما يتمخض عنها من توازنات مختلفة عما كان سائدا قبلها.
يؤكد الانشغال بمضيق هرمز أن الممرات الدولية في خطر بالغ لما ينجم عنها من تأثيرات. أي دولة تريد الضغط على أخرى تكبّد العالم خسائر جمة. اليوم هرمز وغدا باب المندب وربما مضيق ملقا، ما يعرض المجتمع الدولي لإشكاليات لم تكن مأخوذة في الحسبان جيدا خلال السنوات الماضية، أو تم النظر إليها باعتبارها بعيدة المنال. غلق ممر تعبر منه نحو 20 في المئة من مصادر الطاقة بالعالم يضع جزءا كبيرا منه في مواجهة صريحة ضد من يتحكمون في غلق وفتح مضيق هنا أو هناك. دون التفات للقوانين الدولية وقوانين البحار والممرات المنظمة لآليات العبور.
تفتح أزمة مضيق هرمز الباب على مصراعيه للتفكير في ممرات برية بديلة. إذا لم يتمكن المجتمع من فتحه بسهولة أو جرى ذلك بصعوبة وعبر أدوات خشنة وتكاليف باهظة ستكون هناك نظرة مغايرة إلى خطوط النقل مستقبلا.
التقط الخيط رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أخيرا عندما أثار الانتباه إلى ما طرح قبل سنوات قليلة من مشروعات لطرق نقل برية من الخليج العربي إلى أوروبا.
يكفي الحديث عن هذا الملف وسط الحرب الإيرانية لإثارة تساؤلات حول الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز لاحقا. هل سوف يظل محورا رئيسيا في التجارة العالمية نحو أوروبا أم يتراجع دوره.
تصميم إيران على رهن المضيق لإرادتها يضعها في موقف حرج. قد تكون لجأت إلى هذا الخيار لإجبار واشنطن على وقف الحرب، لكنها في النهاية أوقعت ضررا بدول عدة. فرضت نمطا جديدا للتعامل مع المضيق. السعي يتجه نحو عدم تمكينها وغيرها من السيطرة عليه لتجنب وقوع أضرار أشد فداحة.
يضع توظيف مضيق هرمز في الحرب على كاهل الإدارة الأميركية عبئا ثقيلا، لأنها لم تضع سيناريوهات كافية إذا قامت طهران بهذه الخطوة أو لم تأخذ تحذيرات خبراء عسكريين على محمل الجد.
في الحالتين تتحمل واشنطن جانبا من نتائج الخطوة الإيرانية. ربما يكون الرئيس ترامب أراد إحداث فتنة بين إيران والعالم، اعتقادا منه أن غلق هرمز يفضي إلى صب الغضب على طهران ويعزز عزلة قيادتها الحالية.
مهما كان شكل التقديرات، أصبح مضيق هرمز موضوعا على الأجندة الدولية ضمن أكثر القضايا حيوية الآن. يحدد كل طرف شكل تعامله معه وفقا للشكل الذي يحقق مصالحه ويقلل خسائره إلى حين البحث عن طريقة تفض الاشتباك الحالي. من الصعوبة أن يكون ممرا عالميا رهينة في يد دولة يمكن أن تسخّره من أجل خنق التجارة العالمية بلا رادع جماعي. ما قبل غلق هرمز يختلف عما نراه بعد فتحه.