بعد أن تتوقف الحرب الإيرانية
يرتبط الكثير مما يمكن قوله بعد أن تسكت المدافع والصواريخ والمسيرات وضجيج الإعلام، على الطريقة التي ستنتهي بها الحرب الإيرانية، وشكل المفاوضات في إسلام آباد.
يحاول كل طرف الترويج لتحقيق ما يراه انتصارا. ستتكشف معالم ذلك بدقة حسب الطريقة التي تدار بها المفاوضات. الحرب لم تسمح بمعرفة تفاصيل تطوراتها. توجد روايات متناقضة ولعبت الحرب النفسية والسياسية دورا في كثير من المناحي.
كشف الجدل حول آليات وقف إطلاق النار وبنود الوثيقة الباكستانية التي يتم على أساسها التفاوض في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، عن هوة بين الجانبين. ملف لبنان هو قمة جبل الثلج، بينما هناك ملفات أكثر حساسية تتعلق بإمكانية تدشين اتفاقيات أمنية في منطقة الخليج وتجاهل ما تريده دولها نفسها التي يجب مراعاة مركزيتها جيدا. وهي رقم أصيل في المنطقة لا يجب الحديث نيابة عنها أو عقد تفاهمات والشروع في تنفيذ ترتيبات تتجاهل خصوصيتها الأمنية.
وضع المفكر المصري الراحل محمد سيد أحمد يده على مجموعة من القضايا المهمة في كتابه البديع 'عندما تسكت المدافع' الصادر عام 1975، أي بعد نحو عامين من حرب أكتوبر، وقبل أن تظهر ملامح التسوية السياسية بين مصر وإسرائيل التي تحدث عنها بحسبانها تمثل حلا لأزمة الشرق الأوسط.
صدق جزء من توقعاته في هذا المجال ولم تكتمل حلقات السلام بالطريقة التي تضمن تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
يمكن استعارة المضمون الرمزي الذي حواه كتاب محمد سيد أحمد واسقاطه بشكل مختلف على تداعيات الحرب الإيرانية من زاوية متطلبات السلام العادل في منطقة الخليج بعد أن يتوقف التصعيد نهائيا.
ثمة حالة تتشكل نراها في هذه المنطقة تختلف عما ساد قبل الحرب من رؤى وتجاذبات وتهديدات وضغوط لجأت إليها دول لتحقيق مكاسب وتقليل خسائر وتصورات أمنية أسهمت في تأجيج التوترات في المنطقة.
مهما كانت نتيجة الحرب والمستوى الاستراتيجي الذي ستكون عليه إيران من قوة أو ضعف، تتطلب المرحلة التالية وقفة تنهي الحلقات القاتمة التي سبقتها، واستعدادات للعثور على مكونات تحفظ لدول الخليج أمنها.
بعد أن أدى الاستنفار المعلن والمكتوم إلى حدوث صدامات لها وجوه متباينة، ظهرت حدتها على فترات متقطعة، بدأت مع العراق منذ أكثر من عقدين وانتهت بالحرب الحالية التي انخرطت فيها دول عديدة وتكاد تفقد بوصلتها الرئيسية.
قامت بعض الجهات بتغذية بعض الخلافات الإقليمية وعلى مدار العقود الماضية لم تكن العلاقات هادئة ومستقرة في منطقة الخليج تخللتها احتكاكات ومناوشات من دون أن تصل إلى مربع الاستهداف العسكري المباشر.
تم الاستثمار في نوايا طهران للسعي نحو امتلاك سلاح نووي كذريعة حتى وصل الأمر إلى انفجار يعم المنطقة، اصطحب معه قضايا لم تكن مطروقة سابقا أبرزها مضيق هرمز الذي اتخذته طهران رهينة لزيادة التكلفة على واشنطن وعواصم المنطقة والعالم وحثهم على وقف الحرب.
يمكن التوقف عند مجموعة من المحددات التي يجب مراعاتها بعد أن تتوقف الحرب الإيرانية تماما. إذا أرادت القوى الإقليمية والدولية عدم تكرار الحرب بعد سنوات قليلة عليها أن تضع في إجراءاتها العمل على التوصل إلى ترتيبات متقنة ومنطقية تنهي الأزمات العالقة والمؤجلة في منطقة الخليج، وعدم الاقتصار على المسكنات التي توقف الحرب ولا توفر كوابح تمنع اندلاعها مرة أخرى.
أولا: الأمن للجميع. وقف أي محاولات لهيمنة إيران على المنطقة بطريقة مباشرة أو عبر وكلاء ينفذون أجندتها، وحفاظ دول الخليج على مواصلة سياستها في عدم الإضرار بالمصالح الإيرانية.
ولصعوبة تكوين مظلة أمنية مشتركة بين الجانبين من الضروري التوصل إلى تفاهمات لتحقيق الأمن الشامل لجميع دول الخليج العربي. من أجل إزالة الاحتقانات مستقبلا، فقد أوجدت الحرب شكوكا مبتادلة يحتاج تبديدها إلى خطوات وجهود عملية لتأكيد حسن النوايا عبر منظومة أمنية تمنح أولوية للبعد الخليجي- العربي على التحالف مع أي جهة من خارج المنطقة لها أهداف كبيرة في استمرار التوترات مع إيران وحصرها في خانة الجارة العدو.
ثانيا: العلاقات المستقرة. لا دول الخليج أو إيران بحاجة إلى الدخول في مواجهات مباشرة لأنها مكلفة استراتيجيا وتستدعي مراكمة في المعدات العسكرية وتعطيل المشروعات التنموية الرائدة في المنطقة.
يتطلب التوصل إلى علاقات طبيعية تصفية المشاكل العالقة ومراعاة وجهة نظر كل طرف في القضايا المركزية وجسر الفجوة ومنح القواسم المشتركة فرصة لبناء علاقات مستقرة يمكنها مقاومة العراقيل التي تظهر فجأة، وتردع الجهات الساعية لتوظيف التناقضات التاريخية.
ثالثا: توفير ضمانات إقليمية ودولية. تسبب فقدان الثقة بين إيران وغالبية دول الخليج في توتر العلاقات معها، وأدت شكوك طهران في المآلات التي تنطوي عليها بعض تحالفات دول الخليج إلى الدخول في حلقات مفرغة من التوترات العقيمة يمكن تجاوزها عبر ايجاد دول ضامنة، لها روابط ومصالح متوازنة مع الجانبين. من السهل العثور على دول تعمل على استقرار الأوضاع في المنطقة بعد الحرب.
رابعا: العودة بمضيق هرمز إلى ما كان عليه. فرض السيطرة من قبل إيران التي جاءت لأسباب عسكرية لا يجب أن تستمر وتصبح هيمنة بعيدة المدى. قد تكون طهران نجحت في خنق التجارة العالمية وأحرجت الإدارة الأميركية، لكن هذه الورقة يمكن التخفيف من حدتها بالتفكير في حلول بديلة.
تحقق الحلول البديلة المتداولة رغبة إسرائيل في أن تكون ممرا بريا لعبور الطاقة من منطقة الخليج إلى دول أوروبا. يدفع الإصرار على التحكم في مضيق هرمز إلى التفكير في تصورات دولية تضمن منع تكرار الخطوة الإيرانية من قبل جهات أخرى في مضايق مهمة، فالإشارة السابقة إلى غلق باب المندب استفزت قوى عدة. يمكن أن يفضي تنفيذها إلى تشكيل تحالف دولي للوصاية على المضايق والممرات الدولية.
خامسا: حل إشكالية التعاون مع إسرائيل وتحديد شكله بإرادة جماعية أو فردية. لن تتوقف إسرائيل عن مد بصرها نحو كل منطقة تستطيع الوصول إليها نظريا بعد أن كشفت عن رغبة في تدمير غزة وسوريا وإيران ولبنان والمقدرات الرئيسية في كل منها، والسعي لتصبح قوة كبرى بشكل يضرب ثوابت الأمن القومي العربي في مقتل.