اللحظة المصرية - الخليجية

الجولة التي قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أربع دول خليجية بعد أيام من الحرب الإيرانية، عززت القناعات في متانة العلاقات الرسمية.

القاهرة- تحدث مفكرون خليجيون قبل اندلاع الحرب الإيرانية باستفاضة عما يسمى باللحظة الخليجية الجديدة. تقوم على أن الدول العربية الرئيسية لم تعد فاعلة على المستوى الإقليمي وعليها أن تتوارى. دول الخليج تملك مستقبلا واعدا بما لديها من إمكانيات اقتصادية وعلاقات سياسية وتحالفات عسكرية. أثارت الرؤية ضغائن خفية مع دولة مهمة مثل مصر، فسرت على أنها مقدمة لقطيعة مقبلة مع القاهرة.

حظيت عبارة اللحظة الخليجية باهتمام، بحكم أنها تعبر عن جزء من الرأي العام الخليجي. تعامل معها مفكرون وكتاب وإعلاميون في مصر بحسبانها تعكس "نرجسية" وقللوا من جدواها سياسيا، لكن هناك من رأى فيها تعبيرا عن صوت خليجي يريد تغيير معادلة تعتمد على الروابط المتينة بين مصر والخليج.

استخدمت الحرب الإيرانية كدليل على عدم جدوى الارتباط العضوي للأمن القومي العربي بحجة أن مصر لم تقدم دعما عسكريا ولم تدن بما يكفي الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.

كان الرد المصري الشعبي جاهزا وهو أن دول الخليج لم تقطع علاقاتها مع إيران وتعلن الحرب عليها رسميا. كما أن التحالفات العسكرية بين دولها والولايات المتحدة لا تترك للقاهرة مجالا للحركة العملياتية لتأكيد مساندتها لدول الخليج.

طالب مؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي بمصر إعادة النظر في شكل العلاقات ووضع ترتيبات تضمن الحفاظ على الأمن القومي الجماعي. تمسك مغرودون على الجهة المقابلة باللحظة الخليجية وأرادوا أن تكون لها ملامح على الأرض. تجاوز ما يوصف باللحظة المصرية التي كانت فيها القاهرة رقما رئيسيا في المنطقة.

يصعب القياس نهائيا على ما تنشره مواقع التواصل الاجتماعي حول العلاقات بين مصر ودول الخليج، إذا اعتبرناها معيارا يمكن القول إن الجانبين وصلا إلى قطيعة والدخول في مرحلة من الجفوة.

كل طرف يبحث عن حلفاء جدد وإذا رأيناها مبالغة وكذب وافتراء على الواقع نتعامل مع ما يجري على أنه بعيد عن الحقيقية. أما إذا نظرنا إليها كمؤشر لوجود شيء ما سلبي وغير طبيعي وخطير يمكن أن تزداد قتامته، سوف يتم تطويقها وحصارها والسعي نحو إيجاد وسائل علاج عاجلة.

دخلت بعض المنصات المعلومة والمجهولة لأشخاص مصريين وخليجيين مرحلة متقدمة من التجاذبات بما يتجاوز تراشقات اللحظة الخليجية. ظهرت ملامحها قبل الحرب الإيرانية، لكنها لم تكن بهذه الدرجة من الحدة والضغينة والقذف والسب خاصة من أشخاص معروفين لدى الطرفين ولهم مواقع فكرية وسياسية بارزة.

المشكلة أو بمعنى أدق الميزة أن في مصر من يؤيدون ويعارضون التحفظات المعلنة على الأداء الشعبي حيال الحرب الإيرانية. كذلك في دول الخليج يوجد مؤيدون ومعارضون للانتقادات الموجهة للدولة المصرية. ثمة من يرون مبالغة في الاتهامات الموجهة للقاهرة بسبب تعقيدات الأزمة الراهنة وتشابكات الأطراف المنخرطة فيها.

يُشير التباين الظاهر على مواقع التواصل إلى وجود فجوة وعدم ثقة ومخاوف من وصول العلاقة بين مصر ودول الخليج إلى مرحلة القطيعة.

التقديرات المتفاوتة علامة جيدة على حرص كل طرف على معاتبة الآخر. رغبة كبيرة لتصحيح الأخطاء. العمل على تدارك ما يمكن أن تفضي إليه التطورات من تداعيات سلبية. العزيمة على رفض الوصول إلى مستنقع يتسبب في تآكل العلاقات المتراكمة بين مصر ودول الخليج. الرسالة المبكرة بشأن تمهل كل طرف في البحث على حلفاء موثوق بهم شعبيا.

تبدو العلاقات على المستوى الرسمي بين الجانبين جيدة. لا يوجد ما يدعو للقلق وأنها دخلت في نفق مسدود وعلى وشك أن تنهار قريبا. الجولة التي قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أربع دول خليجية بعد أيام من الحرب الإيرانية هي السعودية وقطر والإمارات والكويت، عززت القناعات في متانة العلاقات الرسمية، غير أنها لم تسفر عن النتيجة ذاتها شعبيا. لا تزال منصات السوشيال ميديا تتحدث عن مرارات بين مصر والخليج بذل كثيرون جهدا في اختلاق سرديات بشأن التوتر بينهما.

هناك علامات متعددة حيال الأزمات التي يمكن أن تتفجر بعد أن تضع الحرب أوزارها. تقابلها روايات تعول على المستقبل وتعتقد أن اللحظة الراهنة هي لحظة مصر والخليج معا.

من فكروا في تفجر الأزمات بعد الحرب بدت حساباتهم عاطفية ومحكومة بتوجهات مسبقة تريد فصم العلاقة مع مصر، سواء أكانت ظالمة أم مظلومة. تميل في مجملها لدعم جهات إقليمية صاعدة. تريد أن يكون لها مكانا بارزا تحت شمس الخليج العربي ترى أن العقبة أو العقدة في استمرار العلاقة الوثيقة بين دوله ومصر، بالتالي من الضروري خلق مشكلات تقود إلى قطيعة بينهما.

توجد مؤشرات على أن اللحظة المصرية - الخليجية لها فرصة كبيرة في بلورة أفكارها. جربت دول الخليج العربي نوعا متقدما من التحالفات العسكرية مع الولايات المتحدة ولم تحقق أغراضها في الحرب الإيرانية. طهران التي كانت تمثل هاجسا خليجيا ضعفت عسكريا بالدرجة التي لا تخول لها أن تصبح خصما مخيفا.

لدى القاهرة علاقات متوازنة مع الجميع وسياسة خارجية رشيدة وقدرة عسكرية فائقة تجعلها تضيف رصيدا لدول الخليج تؤمن بالفضاء الخليجي الحيوي والأمن القومي العربي دافعت عن ذلك طويلا، على استعداد لمواصلة الدفاع إلى حين تتشكل منظومة أمنية عربية متكاملة تضع في بؤرة اهتماماتها الأمن في منطقة الخليج العربي.

كشف غلق مضيق هرمز والحصار البحري الأميركي لإيران عن تهديد مباشر لتصدير النفط والغاز وسلاسل الامدادات الخليجية. بدأ التفكير العملي من السعودية والإمارات في الاعتماد على الموانيء المصرية على البحر الأحمر، الأولى فعّلت نقل نفطها من شرقها إلى غربها ومنه إلى أوروبا عبر خط سوميد المصري. وتسعى إلى تدشين ميناء نيوم لربط التجارة بين غالبية دول الخليج وأوروبا عن طريق مصر. تسعى دولة الإمارات إلى الاتفاق على تخزين كميات كبيرة من نفطها في موانيء مصرية على البحر الأحمر وتتمسك بالحفاظ على استثماراتها في مصر.

إذا تم تضافر كافة المعادلات الإستراتيجية سوف تصبح اللحظة المصرية - الخليجية واقعا في المدى المنظور، تخلق شبكة كبيرة من المصالح المشتركة وتمنع سيطرة طرف عسكري أو اقتصادي على آخر وتوفر بيئة خصبة للتعاون المتوازن بلا تغول يخلق توترات متقطعة وانهاء الهواجس المتبادلة بين الشعوب على الضفتين التي تجد في أي خلاف فرصة لاسقاط مسلمات معلبة عليه ما يتسبب في تصاعد تراشقات تتغذى على ما يتم تداوله من معلومات خاطئة على مواقع التواصل الاجتماعي.