النظريات الشائعة في الحرب الإيرانية
القاهرة- فتحت الحرب الإيرانية المجال لكثير من الأكاديميين والإعلاميين لتكرار بعض النظريات السياسية واسقاطها على الواقع وبعض التطورات المتعلقة بالمفاوضات المتذبذبة بين الولايات المتحدة وإيران. وراج اللجوء إلى النظريات كمحاولة لتفسير بعض الأحداث وفهم خلفياتها والتعرف على ملامح من المصير الذي ينتظر المواجهة المحتدمة بين واشنطن وطهران في شقيها العسكري والسياسي.
لا أعلم هل هناك تأصيل علمي أم لا لنظرية "رابح- رابح، رابح- خاسر، خاسر- رابح، وخاسر- خاسر" التي أصبحت شائعة في الفضائيات العربية. يتم استخدامها غالبا في توقع النتيجة التي سوف تصل إليها الحرب الإيرانية. يأتي انتشارها لما تحمل من جاذبية لفظية فضفاضة. عصف ذهني يساعد صاحبه من إعمال العقل لقياس المآلات التي يمكن الوصول إليها، في ظل حالة كبيرة من الالتباس تخيّم على حسابات كل طرف. جرّاء صعوبة معرفة رد فعل الآخر على أي خطوة يقوم بها أحدهما.
تريد كل من الولايات المتحدة وإيران الحصول على نتيجة "رابح- رابح". كل طرف يسعى للحصول على صورة نصر تثبّت بقوة موقعه الاستراتيجي في معادلة الحرب الراهنة. هي نتيجة يصعب الحصول عليها صراحة أو ضمنيا. الأمر الذي ضاعف من الأجواء الغامضة حول عملية المفاوضات في إسلام أباد. الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخل الحرب لتحقيق نصر سريع، حاسم، لا يحمل التشكيك فيه أو التقليل من جدواه الحيوية. عندما اكتشف أن الحرب ليست بالسهولة التي جرى تصويرها له بدأ ينزل تدريجيا من أعلى الشجرة التي صعد إليها بلا تنازل عن الفوز الكامل.
يؤدي النصر الأميركي الكاسح أو الفوز الكامل إلى فشل إيران في أن تخرج من الحرب نصف رابحة. بالتالي يتهاوي الجزء المتعلق بـ"رابح- رابح". بسبب النمط التخيلّي الواسع للنصر في أجندة كل طرف واسباغه بمواصفات طوباوية (مثالية).
تكمن مهمة المفاوضات في الوصول إلى شكل رمزي يقود لتحقيق ربح للطرفين. هي مهمة غاية في الصعوبة وسط حالة انعدام الثقة بين واشنطن وطهران. وحرص كل جانب على نزع فكرة النصر من الآخر وحرمانه من القيمة المعنوية التي يحملها هذا الاتجاه. ما يعني فشل التوصل إلى صيغة منتجة بشأن عبارة "رابح- رابح".
يبدو الشق الثاني (رابح- خاسر) الأكثر واقعية في الحرب الإيرانية. يمكن التعبير عنه أيضا بالمعادلة الصفرية الشهيرة. مكاسب طرف خسارة للطرف الآخر، والعكس صحيح. يواجه هذا الشق بتحديات. أبرزها تحديد الرابح والخاسر. لأن الولايات المتحدة شنت الحرب من أجل النصر الكاسح ومن الضروري أن تصل إليه. لكن التطورات اللاحقة على بدء الحرب وفترة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، كشفت عن درجة من الصمود الإيراني. اخفاق واشنطن في تغيير النظام الحاكم وعدم اليقين في إجبار طهران على صفر تخصيب والتخلي تماما عن البرنامج النووي.
زاد عليهما مفاجأة القبض على مفاتيح مضيق هرمز، الذي وصفه مراقبون بأنه يعادل امتلاك قنبلة نووية. لم يستطع الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة الضغط على إيران للتخلي عن هرمز. باتت المواجهة قريبة من نظرية من يصرخ أولا فيهما بعد أن اكتشفت طهران أن ورقة مضيق هرمز وصل صداها الاقتصادي إلى العالم بأكمله ولا يستطيع الرئيس ترامب فك شفرتها حتى الآن.
القول إن إيران ربحت أو ستربح الحرب ينطوي على ظلم للنتائج العسكرية على الأرض. حيث جرى تدمير جزء كبير من مقدراتها القتالية. لن تقبل الولايات المتحدة هزيمة في حرب دخلتها لتحقيق أهداف معينة. عند الشعور بأن طهران انتصرت قد تضطر للافراط في استخدام القوة العسكرية. هدد الرئيس ترامب أكثر من مرة باللجوء إلى تدمير البنية التحتية في إيران وعودتها إلى ما وصفه بـ"العصر الحجري". وفقا لمفهوم ترامب من المستحيل أن تخرج القيادة الإيرانية رابحة في الحرب.
في هذا الشق (رابح- خاسر) يوجد جزء خفي ربما لم ينتبه إليه البعض، يتعلق بأن الربح قد يكون بطعم الخسارة. فوز الولايات المتحدة عسكريا وتدمير مقدرات إيران الحضارية والبنوية وعدم تمكنها من إسقاط النظام في طهران حسب إحدى الروايات الأكثر شيوعا، يشير إلى أن إيران لم تخسر الحرب. احتل معيار إسقاط النظام جزءا مهما في السردية السياسية الأميركية، ما يجعل عدم تحقيقه نصرا معنويا في حد ذاته، يقلل من قيمة النصر المادي الذي أنجزته واشنطن على مستويات مختلفة.
أما الجزء الخاص بـ"خاسر- رابح"، أي الولايات المتحدة خسرت وربحت إيران. فهذا يعني الدخول في نظرية حافة الهاوية التي يتبعها الطرفان من باب التوظيف السياسي أكثر من الفعل العسكري. كلما زادت واشنطن تصعيدها بادلتها طهران بتصعيد لا يقل ضراوة. تريد الأخيرة تكبيد الأولى خسارة فادحة. ينطلي عليها وصف "الفضيحة الاستراتيجية". تخدم هذه النتيجة مصالح قوى مثل الصين وروسيا. سوف تكون لها انعكاسات خطيرة على العالم ويمكن أن تتسبب في تغيير موازين القوى الدولية.
يتوقف الوصول إلى هذه النتيجة على مدى تماسك الرؤية الأميركية. قدرتها على القبض على دفة الأمور عسكريا وسياسيا واقتصاديا. الخلل في احداهم يمثل ضغطا كبيرا على واشنطن في ظل عدم وجود استعدادات كافية للتعامل مع تداعيات الحرب.
ظهرت معالم هذا المحدد في الحرص على طرق باب المفاوضات من خلال نافذة إسلام أباد، والسعي لتحقيق الأهداف الأميركية بأدوات سياسية بعد أن أخفقت الضربات العسكرية. غير أن انتباه إيران إلى ذلك دفعها للتشدد في المحادثات وعدم التهاون في مطالبها. وبدت على ثقة من أن الولايات المتحدة تبحث عن مخرج مشرّف، ما ساعدها على التمسك أن تكون التنازلات متبادلة وليست من طرف واحد. لن يتوانى ترامب عن بذل الجهود لمنع تمكين طهران من تحقيق نصر والإيحاء بأنها تفوقت عليه في عملية تسجيل النقاط، أو أنه فشل في الفوز عليها بالضربة القاضية.
يبقى الجزء الأخير في النظرية المتعلق بـ"خاسر- خاسر". ليس كل الحروب تنتهي بالطريقة التقليدية (رابح وخاسر). يمكن أن تنتهي بخسارة الطرفين عندما يفقد كلاهما الكثير من العناصر الاستراتيجية، وتتشكل من عناصر القوة الشاملة التي تحافظ على الأمن القومي وتمنحه ديناميكية عالية، سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا.. ما نراه من تطورات على مسارت متباينة يؤكد أن هذه الحرب من النوع قد يخسر فيه الطرفان معا. وإذا جرت عملية حسابية دقيقة، يمكن القول إن الطرفين تكبدا خسائر كبيرة. وسوف تستمر تداعياتها فترة طويلة في الداخل والخارج.
اختم هذا المقال بنظرية "الرجل المجنون" التي أشار إليها الصديق عزت إبراهيم رئيس تحرير جريدة الأهرام ويكلي المصرية، لتفسير قرارات وسلوك السياسة الخارجية، استنادا إلى مقال كتبه دافيد فروم بعنوان "لا يلعب دور المجنون إلا الخاسرون.. هل يبدو ترامب مجنونا؟ ربما.. لكنه ليس مقنعا". دافيد أحد الأسماء التي دعمت تيار المحافظين الجدد قبل ربع قرن، وقام بمراجعات جادة لأفكاره، وتوجه إلى منطقة وسط في الفكر السياسي الأميركي.
نظرية أو استراتيجية الرجل المجنون في جوهرها حيلة أو وسيلة يلجأ إليها قادة غير مجانين عندما يجدون أنفسهم في أوضاع صعبة. يقوم هذا التوجه على الخداع. يتظاهر القائد بأنه مستعد لفعل ما لا ينوي فعله في الواقع. يعتمد نجاح هذا الأسلوب على المصداقية. إذ يتعين على الخصوم أن يأخذوا تهديداته القصوى على محمل الجد.