مخاوف أم تحريض إسرائيلي ضد مصر؟
القاهرة - ضجّت وسائل إعلام إسرائيلية أخيرا بكثير من التقارير التي تتحدث عن مناورات عسكرية مصرية في سيناء. تحوّلت الرسائل التي تحملها المناورات من مجرد مخاوف تقليدية وشائعة إلى ما يشبه حملة تحريض منسقة ومنظمة ضد القاهرة. شارك فيها كتاب وسياسيون وأعضاء في الكنيست من مشارب مختلفة.
تضخمت التقارير في وسائل الإعلام وبعض البرامج الحوارية على وقع التطورات الإقليمية الساخنة، بصورة جعلتها كرة ثلج، تكبر كل يوم لتوسيع نطاق الخطر الذي قيل إن إسرائيل قد تتعرض له. ألمح البعض بالمفاجأة المصرية في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، وحذر آخرون من تكرار صاعقة "طوفان الأقصى" في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
جرى خلق أجواء داخلية توحي بالخوف من تراكم القدرات العسكرية المصرية في منطقة سيناء. وأخرى خارجية تقوم بتهيئة دول العالم لما يمكن أن يحدث على هذه الجبهة الهادئة. لم تشر القاهرة في أي وقت إلى عزمها الدخول في مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل. أكدت مرارا تمسكها باتفاقية السلام معها كخيار استراتيجي ولا يوجد ما يستدعي التفريط فيه حاليا.
بدت توجهات القاهرة الخارجية داعمة للمسارات السياسية في تسوية الأزمات الإقليمية الحادة. سعت إلى تحقيق ذلك عبر ممارسات عملية في محاولة اخماد الصراعات التي طفت على السطح في المنطقة. كان الموقف المصري من التوصل إلى وقف سريع لإطلاق النار في قطاع غزة دالا عن رغبتها في توفير الأمن والاستقرار.
كما أن دعمها لوقف الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، من العلامات المؤيدة لتصوراتها السلمية. بخلاف إسرائيل التي عمل رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو على زيادة جرعات التوترات في المنطقة. وتوظيفها في دعم سياسته الرامية لتغيير وجه الشرق الأوسط بما يخدم مصالح بلاده الحيوية.
يمكن تفسير الضجة الإعلامية الحالية في إسرائيل بأن الغرض منها لفت الانتباه إلى الجارة الصامتة مصر التي نأت عن الانخراط في أي من الحروب والنزاعات الإقليمية. وحذّرت من تداعياتها الأمنية. وحاولت صدها عبر تصورات سياسية متعددة. وشجعت القوى المشتبكة فيها والمهتمة بها على اللجوء للمفاوضات كوسيلة لمنع تصاعد الأزمات والحد من آليات توسيعها، خشية خروجها عن السيطرة.
يبدو أن إسرائيل استشعرت خطورة ما راكمته مصر من معدات متقدمة في السنوات الماضية. تيقينت أن مقومات العداء بين الجانبين لا تزال حاضرة في الوجدان العام الشعبي والرسمي في البلدين. ما يستلزم دق جرس الإنذار مبكرا.
استثمرت إسرائيل في وجود معدات عسكرية قتالية كبيرة في سيناء لزيادة المخاوف من التحركات المصرية. متجاهلة أن جزءا منها جاء ردا على فائض الكثافة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، واستعدادا لصد أي محاولة لتنفيذ سيناريو تهجير الفلسطيين قسريا إلى سيناء، أو إقدام إسرائيل على عمليات عسكرية قد تطال الحدود المصرية.
تذرعت إسرائيل بأن مصر خرقت اتفاقية السلام معها وادخلت معدات ثقيلة، بما لا يتماشى مع اتفاقية رسمت خطوطا حمراء وخضراء وصفراء (أ، ب، ج) لأماكن تمركز القوات المصرية ونوعيتها. وهو ما ترد عليه القاهرة دوما بأن جزءا منها تم بتفاهمات مع تل أبيب إبان الحرب على الإرهابيين والمتطرفين في سيناء. والجزء الآخر ردا على قيام إسرائيل ذاتها بإعادة احتلال مناطق في غزة، والتمركز بالقرب من الحدود مع مصر. وهو ما يتم تجاهله في الخطاب العبري والتعامل معه باعتباره دفاعا عن النفس في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
يسقط الإعلام في إسرائيل السردية الرئيسية لاتفاقية السلام المتعلقة بالإجراءات العسكرية المتبادلة. يتعمد التركيز على ما تقوم به من تحركات مصرية في سيناء، وتضخيمه كأن هناك حربا على وشك وقوعها. ولا يتعامل مع الأمر على أنه أداة ردع. إذا كانت نوايا إسرائيل خالصة في التمسك بالسلام وعدم الاعتداء، فهواجسها ليس لها محل من الإعراب. مصر بطبعها لا تميل إلى الاعتداء. تحدث بعض المسؤولين في القاهرة عن الجاهزية العالية في الرد على أي تجاوز بحق الأمن القومي المصري على طول الجبهات الاستراتيجية الأربع، شمالا وجنوبا، وغربا وشرقا.
الواضح أن إسرائيل ليست مقصودة بمفردها بالجاهزية العسكرية. ما منحها أولوية هو أن الحدود معها ملتهبة بسبب عدم الالتزام بوقف إطلاق النار في غزة. مواصلة قوات الإحتلال شن ضربات على لبنان والتنصل من أسس وقف النار معه. رغبة نتنياهو في البحث عن حجج تمكنه من الاستنفار العسكري في المنطقة، انتظارا لانجاز جميع أهدافه في المنطقة. وكلها عوامل فرضت على مصر عدم الثقة في الخطاب الإسرائيلي العام، وامتلاك خيارات خشنة لاستخدامها عند الضرورة.
رسخ في العقل المصري أن هذه الفترة يعاد فيها ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. سوف تُلقي الحرب الإيرانية بوابل من التوازنات التي تحمل مفاجآت للصيغة المتداولة منذ عقود. لا تخفي إسرائيل رغبتها في الهيمنة على مفاتيح المنطقة. بعد استهداف إيران والسعي للنيل من قدراتها العسكرية وتقويض أذرعها في سوريا وغزة ولبنان والعراق واليمن، ترى القاهرة أنه لا أمان في التصورات الخفية التي يحملها نتيناهو. ما يفرض رفع مستوى الجاهزية لأية خيارات عسكرية.
نجحت إسرائيل في الحروب التي خاضتها واتخذت فيها زمام المبادرة. أشد ما يزعجها استعداد من تضعهم في باب الخصوم المحتملين، الذين يمكن أن تواجههم لاحقا. عليها أن توفر بيئة خصبة لخلق حالة عدائية معهم. تبدأ من الضجيج الذي يثيره الإعلام ويتكفل بشن حملات تحريضية إلى تقديم أدوات ملموسة تدعم حجته في وجود الخطر.
تكمن المشكلة مع مصر في أنها تعمل في صمت وهدوء. يقوم قادتها ومصادر شبه رسمية بترك انطباعات تحمل تأويلات مختلفة. منها العسكري والسياسي، من دون القيام بفعل يحرجها أو يشير إلى صدام مع القرارات الأممية والاتفاقيات الدولية.
تعلم إسرائيل أنها لن تستطيع ضبط مصر بارتكاب فعل عسكري فاضح. تدرك أن حديثها عن كثافة القوات العسكرية مردود عليه عمليا. لدى الولايات المتحدة، الضامن الرئيسي لاتفاقية السلام بين البلدين معلومات وافية عن تجاوزات كل طرف. ما جعل واشنطن لا تأخذ انتقادات وتلميحات وسائل الإعلام الإسرائيلية بجدية. تدرج القصص التي يتم ترويجها على أنها من قبيل التحريض وليست من باب المخاوف الداهمة القادمة من القاهرة. في محاولة لشغل مصر عما تقوم به إسرائيل على الصعيد الإقليمي، لأنها أحد أهم القوى التي تمثل كابحا لأطماع نتنياهو في المنطقة.