الدراما المصرية ومحاكاة الواقع المجتمعي
القاهرة - استدعى انتشار فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي حول قيام عدد من المصريين بإجبار شاب على ارتداء زي نسائي خاص بالراقصات، مشهدًا قريب الشبه بما ظهر في مسلسل "الأسطورة" للفنان محمد رمضان، وجسد فيه دور المعلم ناصر الرفاعي. واتُخذ المقطع كذريعة لتأكيد أن الدراما تنقل أمراضها إلى الواقع، وفتح الحديث جدلًا واسعًا: هل الدراما تنقل قصصها من الواقع أم تبالغ في تصويره؟ وهل الواقع يتأثر بما يُقدَّم على القنوات الفضائية؟
يلجأ بعض النقاد إلى اتهام الدراما بأنها تلعب دورًا في إفساد الأخلاق بدلًا من إصلاحها، ويعزفون كثيرًا على هذه الوتيرة. ويرتاح بعضهم إلى سب الفنان محمد رمضان وما قدمه من أعمال فنية مثل "البرنس"، "زلزال"، "ابن حلال"، و"جعفر العمدة"، وغالبيتها تتسم بالعنف. وجسّد فيها رمضان دور البطل الشعبي القريب من وجدان الناس البسطاء، والمعروف في الأحياء الشعبية بمصر.
تأتي راحة النقاد من الإيحاء بأن الناس يقومون بتقليد ما يرونه من أعمال درامية ويسعون إلى محاكاتها عمليًا، وكأن اختفائها يعني انتشار الفضيلة. ولا يبذل النقاد جهدًا لتفسير معنى الاقتباس ونتائج السعي لإسقاطه على الواقع، ومعرفة الأسباب المجتمعية الحقيقية. فهل تأثير الدراما كبير إلى الدرجة التي يسهل تقليدها بلا تفكير، أم أن الأمر له جوانب أخرى؟
كل ما يقدمه الفن بأنواعه المختلفة، رضينا عنه أم اختلفنا حوله، لا يتعدى تسليط الضوء على ما يجري في المجتمع. ربما تكون هناك انتقائية لأسباب درامية، لكن لا يتم اختراع الشخصيات من العدم وتقديم أعمال خيالية طوال الوقت. وبافتراض أن الخيال يلعب دورًا، فهو مطلوب فنيًا. ورأينا الكثير من أفلام الخيال العلمي في العالم، ولم يتم اتهام أصحابها على الدوام بأنها أفسدت أذواق المجتمعات أو شجعت الأفراد على تقليدها.
لن تنتهي ازدواجية الفن والمجتمع وأيهما أكثر تأثيرًا في الآخر. فمن مهام الفن الأولية التوعية والتنوير، وإن قدم أعمالًا بعيدة عن الواقع، فيجب التعامل معها باعتبارها تحذيرًا أو جرس إنذار لما هو قادم، وليس بغرض حث الجمهور على تقليدها.
من سنّوا سكاكينهم لذبح الفنان محمد رمضان بأثر رجعي حاليًا، عليهم النظر إلى ما يجري في المجتمع من تطورات تفوق الخيال. فإذا لم يُقدّم المعلم ناصر الرفاعي على إجبار سارق على ارتداء زي نسائي في مسلسل "الأسطورة"، هل كان من قاموا بإجبار الشاب "إسلام" في قرية "ميت ناصر" بمحافظة الدقهلية شمال القاهرة قبل أيام على ارتداء "بذلة رقص" والطواف به في الشوارع سيمتنعون عن تقليد المشهد الفني؟
في عهد المماليك في مصر قبل عدة قرون، كان من يقوم بالسرقة يُوضع على ظهر حمار بشكل مقلوب، ويتم الطواف به في شوارع القاهرة كنوع من العقاب والعبرة والردع والإعلام. ولم يكن وقتها عرف الفن أو ظهرت مواقع التواصل بالطبع. ومع أن مشهد الزي النسائي أكثر خطورة في هز صورة الرجل، إلا أن المقصود هو الإمعان في الإذلال والفضيحة وتشويه السمعة، بزعم أن الشاب اختطف فتاة تنتمي إلى أسرة من ارتكبوا حماقتهم.
ولا يزال المخرج المصري محمد سامي متهّمًا في نظر بعض النقاد بأنه يقدم أعمالًا درامية تحض على العنف والبلطجة ونشر الرذيلة، لمجرد أنه أخرج عددًا من الأعمال الدرامية للفنان محمد رمضان، أو غيره، مثل مسلسل "العتاولة" للفنان أحمد السقا، و"سيد الناس" للفنان عمرو سعد. وهو أيضًا من أخرج مسلسل "نعمة الأفوكاتو" للفنانة مي عمر، وفيه قصة اجتماعية راقية، إذ جسدت دور محامية تدافع عن البسطاء لجلب حقوقهم.
يصعب على أي فنان أو مخرج حصر نفسه في أعمال فنية معينة، وتقديم ثيمة فنية واحدة لا يحيد عنها. ففي النهاية يبدو مكررًا وربما مملًا في نظر الجمهور. وفي الحالتين، عليه البحث عن شخصيات غير نمطية لتأكيد موهبته. والمشكلة أن بعض الممثلين عند خلع رداء ما عُرفوا به من أعمال فنية، سواء أكانت رومانسية أم بلطجة، لم يحققوا النجاح. فعندما خرج محمد رمضان عن هذا الخط وقدم مثلًا فيلم "الكهف"، لم يكن مقنعًا، وسقط العمل سقوطًا مدويًا. وعندما ابتعد الفنان محمد سعد عن سلسلة أفلامه "الليمبي"، لم يستطع الحصول على إعجاب الجمهور.
تبدو أزمة الدراما المصرية مع الواقع المجتمعي معقدة ومتشابكة. كل طرف يُلقي التهمة على الآخر: المؤلف والمخرج والفنان يقولون إن أعمالهم تعكس ما يجري في المجتمع من تطورات وتفاعلات وتداخلات لا أحد يريد مواجهتها بشفافية ومصداقية، والنقاد والإعلام والمسؤولون يقولون إن الفن الذي يعرض العنف يفسد الذوق العام. ويستمر الدوران في هذه الحلقة دون بحث جاد عما جرى في المجتمع. فلا توجد إحصائيات وأرقام دقيقة تقدمها الحكومة المصرية باستمرار حول معدلات الجريمة والعنف والبلطجة، ولم تعد مراكز البحوث الاجتماعية قادرة على رصد الظواهر بحرية كاملة وتفسيرات عميقة.
يقود هذا الاستنتاج إلى نوع من الاستسهال في تناول ما حدث من انتهاك لحقوق شخص في قرية "ميت عامر". قد يأتي الحكم على المتهمين مشددًا، لكنه لن يكون كافيًا لمنع تكرار التصرف بطريقة أخرى. فالقسوة في الحكم، ما لم تكن مصحوبة بتوعية ثقافية وفنية وإعلامية، قد تعيد سيناريوهات التنكيل مجتمعًا.
والأخطر أن تجاهل الدراما لما يدور في الواقع لن يمنع وقوع الأخطاء. ربما يكون نقلها وإمعان الخيال أداة تلفت انتباه المسؤولين وتحذر المواطنين. فالتقليد يعني أن للفن تأثيرًا كبيرًا، بالتالي يجب الاستفادة منه وتوظيفه بما ينفع الناس.
سيتم طي حادثة قرية "ميت عاصم" بكل ما تحمله من دلالات مجتمعية ودرامية، ولن يكف الفن عن الاقتراب من واقع قد يكون أشد وطأة مما ترصده بعض الأعمال الفنية. ولا تعني المحاكاة امتلاك قدرة كبيرة على التغيير. ففي الحادثة الشهيرة بـ"سفاح التجمع"، التي جرى الكشف عنها في القاهرة منذ نحو عامين، لم يتخيل المصريون وجود شاب يغوي الفتيات ثم يقوم بذبحهن.
عندما قدمت الحادثة في السينما مؤخرًا بنفس الاسم (سفاح التجمع)، وقام بالبطولة الفنان أحمد الفيشاوي، لم يلقَ العمل تفاعلًا جماهيريًا عقب الترويج له إعلانًا، لأن الناس تابعت القصة في وسائل الإعلام المختلفة، وليست بحاجة لمن يجسدها سينمائيًا.
هناك الكثير من الأحداث الحقيقية التي أثارت انتباه الناس وكانت خارجة عن المألوف، وقدمت دراميًا أو سينمائيًا ولم تجد صدى إيجابيًا، بينما ما يُختار من أحداث ولا يحظى بشهرة واسعة يلقى نجاحًا جماهيريًا.
تكمن مهمة الفن في انتقاء الشخصيات والأحداث وطريقة المعالجة الدرامية، وليس المحاكاة حرفيًا أو التكرار. ففي الحالة الأخيرة، يفقد الجمهور شغفه ويرفض أن يعيش الحدث مرتين: مرة في الواقع وأخرى في الدراما. وهذا أحد مفاتيح نجاح مسلسلات الفنان محمد رمضان والمخرج محمد سامي، والتي قد يكون الناقد ناقمًا على الشكل الفني الذي تم تقديمه به.






