تجديد أم افلاس في الكوميديا المصرية

الإسراف في الكوميديا يُعد عدوا للنجاح، يتحول إلى عنصر رئيسي للفشل. من المهم وجود تجديد مستحب وبسيط من وقت لآخر.

القاهرة - في كل جيل فني تقدم الدراما والسينما المصرية نماذج مختلفة من ممثلين وممثلات تعتمد أدوارهم على الكوميديا التي تستجلب قدرا وفيرا من الضحك المعتمد على روح الدعابة. ضحك لا يتطلب أن يكون العمل فكاهيا أو ساخرا برمته.

في أوج المشاهد التراجيدية يمكن أن تطفو الكوميديا فجأة. كان عادل إمام وسعيد صالح وسمير غانم ومحمد صبحي من أفضل من قدموا أعمالا تزاوج بين الجانبين. يخرج الجمهور في نهاية العمل محملا بمشاعر متناقضة. يضحك ويبكي في آن واحد.

خرجت ثيمة فنية أخرى لم تستمر طويلا تعتمد على أداء شخصية كوميدية طوال الوقت مصحوبة بمتلازمة تمثيلية وشخصية واحدة لا يتم ضخ دماء جديدة في شرايينها أشهرها شخصية 'الليمبي' التي عرف بها الفنان محمد سعد وكانت عنصرا رئيسيا في غالبية أعماله في السينما والدراما تستند إلى تجسيد دور شخص ساذج يصعد ويهبط في كل عمل من أجل استجلاب الضحك بأي وسيلة.

بعد سنوات قليلة لم يبق من 'الليبمي' سوى اسمه. هناك قلة من الجمهور تعلقت به فترة ثم تجاهلته. المكونات التي تعتمد عليها الشخصية بسيطة وضحلة وخفيفة في وزنها الأخلاقي. غاب عنها العمق، لأن الحصول على ضحكات المشاهدين لا يحتاجه.

اضطر محمد سعد إلى التخلي عن هذه الشخصية ويخلع ثوبها فنيا. جرّب حظه في أداء شخصيات جادة من خلال أعمال فنية مبتكرة مثل فيلم 'الكينز'، لكن الأداء العام جاء مهزوزا ومبتورا في أحيان كثيرة.

 أثبت سعد أنه فقير فنيا عندما يقوم بتجسيد أي دور بعيدا عن شخصية 'الليمبي' التي تلبسته واستنزفت أغراضها ولم تعد مقبولة أو مستساغة من الجمهور، حيث استهلكت فنيا وفقدت بريقها الكوميدي.

بين عادل إمام ومحمد سعد ظهر ممثلون أجادوا في الأدوار الكوميدية مثل الفنان محمد هنيدي. تخطى الأخير مرحلة الدور الأوحد، قام بتنويع أدواره بشكل يتناسب مع التغيرات التي طرأت على مزاج الجمهور، ظل محتفظا بقبس من الكوميديا التقليدية التي تجمع بين النمطية المكتوبة بحرفية والارتجال في الأداء وفقا للسياق الفني الذي يدور فيه العمل.

مع ذلك لم يستمر هنيدي على القمة طويلا. كان دوره في فيلم 'تيتة رهيبة' عقيم وممل في بعديه الكوميدي والتراجيدي، على خلاف شخصيته الحيوية في فيلم 'رمضان أبوالعلمين حمودة' الذي جاء المكون الكوميدي فيه متسقا مع التراجيدي وخاليا من الافتعال الذي يبغضه الجمهور.

منذ نحو خمسة سنوات سطع نجم الممثل أحمد أمين بنمط كوميدي جديد. يتكون من ثلاثي البساطة والعمق والواقعية. يعد هذا الثلاثي روشتة نجاح مهمة لأي فنان. يزداد حضوره مع رفع مستوى الكوميديا الجماعية.

أمين من الممثلين الذي تكونوا ثقافيا بشكل جيد، لا يحمل غيرة من أحد أو ضغينة على أحد. يجيد تجسيد الأدوار المختلفة. لا يقصر نفسه في الأعمال التي تستجدي الضحك من الجمهور بلا مبرر.

بحكم اتساع نطاق عالمه الثقافي ودخوله الفن من باب اليوتيوبر وما يحويه من برامج خفيفة لا تخلومن أهداف عميقة، نجح أحمد أمين في اختراق الكوميديا من الأبواب السهلة التي تستنبط معالمها من المواقف الحياتية والسخرية التي تدمنها فئة كبيرة من المصريين فضلا عن التعاون مع طاقم الممثلين الذين يقفون إلى جواره وعدم الجور على مساحاتهم الفنية.

أحد أسباب تفوق نمط أحمد أمين مؤخرا حُسن اختيار الفكرة وترتيب القضية محور العمل وهما العمود أو الركيزة التي تؤدي إلى نجاح أي عمل مع الاستعانة بممثلين جدد لديهم القناعات نفسها التي يتبناها أمين، من حيث تجنب الضحك بلا سبب. اللجوء إلى سرقة الضحك من فم الجمهور بنعومة، تجسدت ذلك في مسلسل 'النص'.

قدم الجزء الأول بعنوان 'النص' واختير للجزء الثاني منه اسم 'النص التاني'، مستوحى العمل من عالم النشّالين أو من يقومون بامتهان السرقة. أحداثه تدور في أربعينيات القرن الماضي بمصر، وقتها كانت هناك نقابة تضم النشالين تقوم بتنظيم عملهم وتلبية طلبات الأعضاء فيها وتقنين دور كل عضو. حوت الفكرة جوانب من الكوميديا القائمة على التلقائية والسخرية، ودعابة يجيدها أحمد أمين في جميع أعماله.

تجنب أمين احتكار البطولة لنفسه. اختار طاقم عمل يستطيع مجاراته في المشاهد التي يصبح فيها الموقف نفسه سيد المشهد من أبرزهم الممثل ميشيل ميلاد الذي يجمع بين عمق أمين وبساطته وعفويته في الأداء التمثيلي.

كان أحد أسباب نجاح الجزء الأول من 'النص' لأنه لم يتعمد خطف الكاميرا، كما يقال من أمين، أو يظهر في شكل من يريد اثبات ذاته. اختار الانسجام مع مقومات يتطلبها الدور بلا استغراق في كوميديا خالية من المضامين السياسية والاجتماعية.

كان الفنان صدقي صخر أيضا مكملا لدور ميشيل ومعهما أسماء أبواليزيد. أسهم هذا الثلاثي في تفوق الجزء الأول من 'النص' على كثير من الأعمال التي قدمت في موسم رمضان الماضي.

لكن البطولة الجماعية المكونة من أمين وميشيل وصدقي وأسماء لم تفلح في أن تكون عاملا مهما في نجاح 'النص التاني' الذي بدأ عرضه في النصف الثاني من موسم رمضان الجاري. ليس لاحتدام المنافسة وطغيان شخصية على أخرى، لكن لأن الحبكة الفنية هذه المرة ظهرت عليها علامات تعجل وإسراف وخلت من ملامح التجديد التي لاحظها الجمهور في الجزء الأول.

يعد الإسراف في الكوميديا عدوا للنجاح، يتحول إلى عنصر رئيسي للفشل. من المهم وجود تجديد مستحب وبسيط من وقت لآخر. عندما ظهر أحمد أمين في قالبه الكوميدي الخاص خطف الأنظار بجديته وقدرته على الابتكار في تقديم الأفكار اللامعة وعدم الاستئثار بالبطولة وتحويلها إلى جماعية.

مع تفوقه في مسألة الفرز والانتقاء واختيار طاقم عمل يمضي معه في المسار الذي يتسم به العمل وأهدافه، قدم وصفة سحرية تساعد على إحراز تفوق يتجاوز حداثة المشاركة الفنية. في مثل هذه المواقف يلجأ كثير من الفنانين إلى الأنانية واختيار من هم أقل منه تمثيلا وطاقة وخفة ظل.

فعل أحمد أمين ما هو أكثر عندما ترك مساحة واسعة للابتكار لدى من يشاركونه في العمل الفني. وهو ما عبّر عنه ميشيل ميلاد في أحد حوارته بقوله إنه لم تفرض عليه قيود في الابداع واستخدم ألفاظا غابت عن سيناريو العمل. الأمر الذي يرجع إلى طبيعة أحمد أمين التي تشكلت من وعي ذي مروحة ثقافية وفنية وإعلامية واسعة مكنته من احتواء كل من يقفون إلى جواره.

إذا كان أحمد أمين نموذجا للتجديد في الكوميديا التي ظهرت ملامحها في السنوات الماضية، فإن الإسراف في المسار الذي اختاره قد يعيقه في لحظة ما، لذلك لا يلجأ إلى الوقوع في فخ النمطية في أدواره. من شاهده في مسلسل 'النص' بجزءيه يصعب أن يتخيله في شخصية المتصوف التي أتقنها في مسلسل 'جزيرة غمام'.