حول الإعلام والموضوعية في الحرب الإيرانية

وسائل الإعلام في زمن الحرب أو السلم غير موضوعية، كل وسيلة لديها أجندة محددة تخدم أهدافا وأفكارا ومصالح الجهة التي ترعاها.

القاهرة - يحتاج المتابعون للحرب الإيرانية المرور على عدد كبير من الفضائيات والمنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي للتعرف على ما يجري من تطورات. معظم وسائل الإعلام تقدم رصدا انتقائيا يتواءم مع رؤية الدولة التابعة لها. من الطبيعي أن تتراجع الموضوعية. قد تظهر ملامح تشير إلى ارتباك. كل طرف يعرض السردية التي تناسب موقفه من الحرب وتحقق مصالحه الرئيسية. ويسعى لاقناع المتلقين لها.

لا تتوقف المسألة على الإعلام العربي المجتهد. الواقع بين فكي رحى حرب مدمرة لا أحد يعلم مآلاتها المقبلة. يمتد تخبط الإعلام إلى الدول أكدت دعمها للحريات. رأينا في الولايات المتحدة محطات تدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتبرر توجهاته نحو محاربة إيران وما تنطوي عليه من مزايا إستراتيجية. درء شر محتمل. وإعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط بما يتسق مع مصالح البلاد.

ورأينا دولا أخرى تتصيد الأخطاء لترامب. تشن هجوما لاذعا عليه. تنتقي المعلومات التي تؤيد ما تعرضه من مشاهد. يستخدم كل جانب مذيعين ومقدمي برامج ومحللين وخبراء يدعمون موقفه. بلا نظر إلى مساحة الحياد الكامنة في الرؤية المقدمة.

فرضت الحرب الإيرانية أهمية فائقة على الأجندة الإعلامية التي يقدمها كل طرف معني بها. منخرط فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. هناك رقابة صارمة على التدفق الإعلامي الموجه إلى الجمهور. ثمة تحكم مفرط في ما يتم بثه. كل طرف يعتقد أن الحرب مصيرية ووجودية له. بالتالي لا مجال للحديث عن حريات إعلامية ووصول إلى المعلومات في غياب القيود والضوابط والمحددات الحاكمة لما يتم تداوله.

كشف مذيع يعمل في محطة "سي إن إن" من إيران كيف يمكن أن يتسبب مشهد واحد في إحداث هزة في الرؤية التي تقدمها الولايات المتحدة. ظهر الرجل وهو يحتسي كوبا من الشاي ويتحدث عن حركة الناس الطبيعية وعدم إغلاق المحلات في طهران. كان المشهد كافيا للتشويش على السردية التي تتبناها الإدارة الأميركية حول تدمير جانب كبير من الحياة اليومية في إيران. حملت الفقرة التي قدمتها "سي إن إن" تشكيكا لما يقدمه المسؤولون في واشنطن من تصريحات وبيانات وإفادات عسكرية.

يشير هذا النموذج إلى ما يمكن أن يحدثه الإعلام من تأثيرات على المواقف السياسية والعسكرية. لا يعني أن التحكم في الإعلام يمنع ظهور معلومات مغايرة لما يريده المسؤولون. ما يتم نقله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بكل ما يحمله من حقائق صحيحة ومبتورة ومزيفة، ربما يفضي إلى نتائج لا تقل خطورة عما تبثه وسائل إعلام تابعة للخصوم. المواطن الصحفي الذي يستطيع عبر موبايل في حجم كف اليد نقل ما يحدث على مقربة منه وتحليل ما يجري حوله، بإمكانه أن يتسبب في لغط لكل من يعتقدون أن القبض على مصدر المعلومات يقود إلى تفوق رؤيتهم وسيطرة سرديتهم والتشكيك في ما يعرضه آخرون لا يتسق حديثهم معما يتم بثه.

زاد التعتيم الإعلامي في هذه الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والدول التي لها علاقة بها. بدأ عدد كبير من الجمهور يبحث عن ضالته في وسائل إعلام مغايرة لمعرفة التطورات. العثور على معلومة أو تحليل موقف يشبع نهم جمهور يرى فرصة في العثور على حياد ومعالجة غير نمطية في أي وسيلة إعلامية.

قامت بعض وسائل الإعلام بجهود كبيرة للتعرف على منحنيات الحرب. حجم المكاسب والخسائر. القدرات التسليحية التي تملكها إيران ومداها. عدد الصواريخ البالستية والمسّيرات. كم يوم يمكن أن تصمد طهران. هل ينهار نظامها تماما أم يخرج من رحمه من يقود الدفة. هل تدخل إيران سيناريو التفكيك. هل تعم الفوضى المنطقة. كيف يدخل الأكراد وشعوب إيرانية أخرى في أتون حرب وعرة. متى تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من الإعلان عن نصرهما. هل تتمكن إيران من صمودها وتحقيق فوز من خلال إطالة أمد الحرب وتسجيل نقاط في مرمى خصومها؟

هذه النوعية من الأسئلة المنطقية يمكن العثور على إجابات كاملة أو جزئية لها من خبراء عسكريين ومحللين سياسيين في أجواء مختلفة عما يدور حاليا. أجواء تمنح مساحة لتدفق المعلوماتمن مصادرها ونقلها كما حدثت للجمهور. هذه حرب مركبة وبعيدة عما رسخ في الأذهان حول كثير من الحروب السابقة. الصورة ومكانها وزاويتها تلعب دورا مهما في كشف بعض التطورات. مع ذلك ما يتم تسريبه يكفي للقول إن الحرب الإيرانية لن تنتهي نهاية طبيعية. المعادلة الصفرية التي دخلتها وما تؤدي إليه من مفاجآت وصدمات وتداعيات تجعلها مفتوحة على احتمالات متباينة.

وقع عدد كبير من الخبراء والمحللين في فخ المبالغات وتسببوا في أخطاء بالغة عندما قطعوا أن موازين القوى تميل لصالح الولايات المتحدة إسرائيل وإيران ستنكسر سريعا بعد مصرع المرشد علي خامنئي وعشرات من القادة الإيرانية في اليوم الأول للحرب. فوجيء هؤلاء بصمود طهران نسبيا. وقعوا في خطأ آخر عندما أكدوا أن تراجع إطلاق الصواريخ والمسّيرات يعزز الإعلان عن انتصار في أقرب وقت على إيران.

علمتنا الحرب الإيرانية الراهنة درسا مهما. هو صعوبة تبني رؤية نهائية. ما تقدمه وسائل الإعلاممن خلال تحليلات الخبراء لا يتعدى صموده في الوجدان العام الوقت الذي يتم الحديث فيه. تسارع التطورات والمفاجآت وتحوّل المسارات، أفقد بعض المراقبين حسّهمفي الاستشراف. أحرج غيرهم ممن تصوروا أن رؤيتهم المقدمة صائبة لن يأتيها الباطل من أمامها أو خلفها.بحجة أنها مبنية على معطيات موضوعية.

بدأت غرف الأخبار تنشغل بمتابعة الأحداث أكثر من تحليلها كخيار مأمون مقارنة بالتفسير والتبرير والتحليل. يخضع ما يتم بثه لرؤية منبع الأحداث ومصدرها، الذي يجعل أي معلومات تأتي من غيره شحيحة أو لا تنسجم مع رؤية الوسيلة الإعلامية الأولى. إذا افترضنا متابعة الوسائل المتعارضة فالخروج برؤية حقيقية صعب المنال. ما يقدم على محطة يبتعد عن تلك المنافسة وتقف في الصف المقابل لها.

لماذا يتخلى عدد كبير من وسائل الإعلام عن الموضوعية؟

تبدو الإجابة البديهية الدفاع عن الأمن القومي لهذه الدولة أو تلك. لكن الإجابة المنطقية أن كل وسائل الإعلام في زمن الحرب أو السلم غير موضوعية. كل وسيلة لديها أجندة محددة. تخدم أهدافا وأفكارا ومصالح الجهة التي ترعاها. يزداد الانكشاف الإعلامي وميوله وقت الحروب. بات الإعلام في غالبية دول العالم خاضعا لأصحابه. فاقدا لجوانب كثيرة في المعلومات التي يقدمها للجمهور. باحثا عن رؤية يقدمها تلقى أصداء إيجابية من دون التفات إلى مدى الموضوعية والحياد والتناغم مع الواقع.