رفع أسعار الوقود وسط تذمر المصريين

رفع أسعار الطاقة هذه المرة يبدو مبالغاً فيه، بحجة أن الأوضاع الأمنية في المنطقة تمر بمرحلة خطيرة، بينما هي مستقرة في مصر.

القاهرة - استيقظ المصريون يوم الثلاثاء على خبر رفع أسعار الوقود. بررت الحكومة الخطوة بارتفاع أسعار الطاقة في العالم بسبب إفرازات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. لسوء حظ الحكومة أن قرارها جاء عقب انخفاض ملحوظ في أسعار النفط بنسبة تصل إلى 30 بالمئة بعد تصريحات أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الاثنين، فُهم منها أن الحرب قد تقف فجأة، مع إبداء استعداده لمرافقة سفن حربية أميركية لناقلات النفط عند عبورها مضيق هرمز.

كان قرار رفع أسعار الطاقة بمصر صادماً، لكنه أيضاً كان متوقعاً؛ حيث مهدت له الحكومة الأيام الماضية من خلال تصريحات عدد من الوزراء وكبار المسؤولين فيها. ما لم يكن متوقعاً هو النسبة التي جاءت متراوحة بين 14 إلى 30 بالمئة، وتعد مرتفعة بشكل كبير عما سبقها من زيادات سابقة في الأشهر الماضية.

وتقود أي زيادة في أسعار الوقود إلى رفع تلقائي في معظم السلع والخدمات بما يفوق معدل الزيادة المعلنة، الأمر الذي يمثل ضغطاً مضاعفاً على شريحة كبيرة من المواطنين تعاني من النتائج السلبية للأزمة الاقتصادية الحادة منذ سنوات.

حاولت الحكومة المصرية تخفيف مظاهر الأزمة عبر التوسع في برامج الحماية الاجتماعية وتقديم مساعدات عينية ومادية لفئة كبيرة من المواطنين، إلا أنها أخفقت إلى حد بعيد في مهمتها؛ لأن حجم المعونات المقدمة قليل مقارنة بالاحتياجات، كما أن الزيادة الجديدة في أسعار السلع والخدمات تلتهم جزءاً من الجدوى أو الفلسفة التي تحملها المساعدات العاجلة، وتفقدها أهميتها في تلبية المطالب الرئيسية للناس.

واجه المواطنون زيادة أسعار الطاقة بالصمت تارة وبالسخرية تارة أخرى؛ فقد خبر المصريون الطريقة التي تفكر بها حكوماتهم المتعاقبة، إذ لا تألو جهداً في ممارسة هواياتها في رفع الأسعار كلما أتاحت لها الفرصة ذلك. منذ اندلاع الحرب الإيرانية لم يخالج المواطنين شك في استثمارها لجهة زيادة الأسعار، ما دفع فئة منهم إلى اللجوء لسلاح الصمت؛ فالغضب مآلاته سيئة على الدولة، والحكومة تعلم أن الظروف الساخنة التي تمر بها المنطقة تكبح التفكير في الاحتجاج والتظاهر.

كرست وسائل إعلام تابعة للحكومة سردية المخاوف من التوترات في البلاد أو التظاهر ضد توجهاتها، وتعمدت التركيز على تجارب انهارت فيها دول عربية ودخلت نفقاً مظلماً عندما انفجر بركان من الغضب الداخلي وحدثت تدخلات خارجية. هي وسيلة ساعدت الحكومة على تنفيذ تصورات اقتصادية قاسية، وتمرير تشريعات مرهقة لتجديد منظومة القوانين بما يتواءم مع مستجدات الحياة الراهنة.

يبدو أن استحضار نموذج التوترات والنزاعات والصراعات وما أفضت إليه من نتائج قاتمة أدى إلى وجود صورة قلقة في أذهان المصريين، دفعتهم إلى التحلي بفضيلة الصمت والصبر وانتظار تداعيات إيجابية قد لا تأتي في المدى المنظور.

أسهمت هذه الحالة في كبت الغضب مع كل ارتفاع في أسعار السلع والخدمات. ارتاحت الحكومة إلى أن خطواتها التقشفية وإجراءاتها الاقتصادية واستجابتها لمطالب صندوق النقد الدولي بشأن إلغاء الدعم، لن تقف أمامها عقبات شعبية؛ شجعها هذا الأمر على التمادي في تصرفات تحمل في طياتها عبئاً كبيراً على المصريين.

للهروب من الأعباء الاقتصادية وضغوطها وكبت الشعور بالغضب، لجأ البعض إلى حيلة السخرية؛ فرفع أسعار الطاقة هذه المرة بدا مبالغاً فيه، بحجة أن الأوضاع الأمنية في المنطقة تمر بمرحلة خطيرة، بينما هي مستقرة في مصر.

تنطوي السخرية على تهكم حافل بالرسائل السياسية؛ فقد اعتاد الناس على توقع زيادة مع أي أزمة تحدث في أقصى بقاع الأرض. عقب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا شهدت مصر موجة من الارتفاع في الأسعار، وبعد اندلاع الحرب في السودان حدثت موجة أخرى لعبت دوراً في رفع معدل التضخم، ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة حصد المصريون ارتدادات تجسدت في زيادة مماثلة للأسعار.

لم تمهل الحكومة المواطنين وقتاً طويلاً هذه المرة ورفعت أسعار الوقود وهي متسلحة بمبررات منطقية وفرتها الحرب الإيرانية. مصر تستورد كميات كبيرة من النفط والغاز؛ ربما تعبر الحكومة هذه الأزمة بسهولة بما وفره الوزراء فيها من تفسيرات عاطفية ذات أبعاد اقتصادية، مع وعود بخفض الأسعار عندما تتوقف الحرب.

شحذت الحكومة أدواتها الإعلامية لتهدئة الخواطر ونقل تجارب دول تمر بمعاناة أشد قسوة بعد ضرب هياكلها الرئيسية واللجوء إلى رفع الأسعار تماشياً مع هزة ضربت دولاً كثيرة في العالم. مصر ليست استثناء في الكرة الأرضية؛ اصطحبت الآلة الإعلامية معها تهديدات متعددة، من نوعية أن القادم قد يكون أكثر قتامة إذا طال أمد الحرب وأدت نتائجها إلى تحولات في منظومة الطاقة.

حتماً سوف يستوعب المصريون الصدمة ويتحلون بالصمت والسخرية في مواجهة هجمة الزيادة الجديدة في أسعار الوقود. ينصب قلقهم على ما يحمله الصيف المقبل من مفاجآت غير سارة بالمرة؛ استمرار الحرب وتبعاتها وروافدها الاقتصادية يعني توقع أن يصبح فصل الصيف المقبل ساخناً جداً وغامضاً أيضاً، من ناحيتي زيادة أسعار الكهرباء أو انقطاعها فترات طويلة، وربما الاثنان معاً. هذا شبح مخيف يحيط بقطاع من المواطنين، يأتي بعد أن استقرت حالة الكهرباء في مصر الصيف الماضي، التي شهدت ارتفاعاً طفيفاً في أسعارها وانتظاماً كبيراً في عملها بكافة ربوع الدولة، ما عزز الثقة في إجراءات الحكومة وتسبب في إزالة جانب مهم من الشكوك فيها.

اعتاد المصريون على مواجهة التحديات والتكيف مع المعاناة الاقتصادية، لكن الموقف الآن قد يجلب معه معاناة اجتماعية موازية؛ فضيق ذات اليد وعدم قدرة الحكومة على تخفيف واسع في أزمة الأسعار المرتفعة يخلق بيئة صالحة للاحتكاكات والحساسيات والمناوشات بين المواطنين، التي تفضي إلى مشكلات في الشارع المصري. تعكس زيادة المشاحنات اليومية توتراً داخلياً قد تكون له عواقب وخيمة، ما لم يجد تطبيقاً صارماً للقانون وتدخلاً أمنياً حاسماً وعلاجاً مجتمعياً ناجعاً.

يكمن الخوف في أن تؤدي الأزمة الاقتصادية والمخاوف المجتمعية إلى زيادة ملحوظة في منسوب الغضب، بما يدفع بعض الجهات المعارضة إلى توظيفه في الدفع نحو خروجه للعلن. لا تتحمل الأوضاع انفجاراً تواجه فيه الدولة تحديات مصيرية.

تسعى الأجهزة المصرية إلى التحلي بالديناميكية لامتصاص النتائج السلبية وتفويت الفرصة على أي انعكاسات لما يجري في الخارج على الداخل. يقول ثبات الدولة وحُسن إدارة الأزمة والنجاح في التعاطي مع الصعوبات التي أحاطت بجميع الاتجاهات الاستراتيجية، إن زيادة الأسعار عملية هامشية، وهو ما تراهن الحكومة على أن يستوعبه المواطنون للاكتفاء بالصمت المكتوم والصبر المحتوم.