وجه آخر لتداعيات الحرب على مصر
هناك عبارة شائعة تقول "مصر منورة بأهلها". انتشرت منذ زمن طويل. ليست دليلا على شوفينية أو علامة على الرفاهية، هي دليل على وجود قوة ناعمة خفية، غير مستغلة جيدا.
العبارة في المجمل مؤشر على كرم أهلها وحبهم لمن يأتون إليهم من دول مختلفة. يعشق الكثير ممن تطأ أقدامهم العاصمة القاهرة صخبها وضجيجها وزحامها وعشوائيتها أحيانا. دليل على الحيوية الإنسانية. المدن التي تسير وفقا لنظام دقيق من مواعيد عمل المحلات والمقاهي والمطاعم تفقد جزءا من بريقها.
من يعرف القاهرة بكل ما تحفل به من مظاهر كرنفالية (احتفالية) ليلا يصعب عليه تخيلها تغلق حوانيتها الساعة التاسعة بالتوقيت المحلي. هو الوقت الذي يبدأ فيه المصريون وضيوفهم والمقيمون معهم من جاليات عربية السهر والسمر على المقاهي التي تدب الحياة فيها ليلا. تشهد أرصفتها أنماطا من ألعاب الطاولة والدومينو والشطرنج. فرق موسيقية للهواة تجوب المقاهي المتناثرة في الشوارع، تعزف مقطوعات قد لا يسمعها كثيرون لكن يشعرون بطعمها وهي تقترب من آذانهم.
ظهر وجه آخر لتداعيات الحرب الإيرانية في مصر بعد أن أصاب قرار الحكومة بوقف الأنشطة التجارية عند التاسعة مساء وإطفاء أنوار الشوارع لترشيد استهلاك الطاقة، فئة من المواطنين بالإحباط. عشق أصحابها ليالي القاهرة. لا يشعرون بمتعة الجلوس مع الأصدقاء وممارسة أنماط عديدة من اللهو واللغو والحكي من دون سهر.
ركزت الحكومة عند إعلان خطتها للتقشف بسبب روافد الحرب الإيرانية على توفير الكهرباء فقط وتجاهلت النتائج السلبية الناجمة عن القرار. تحدث خبراء عن الكسل الذي قد يصيب الحياة الاقتصادية في مصر، والتي تنتعش كثيرا مع دخول المساء وترتاح كثيرا وقت النهار. لم ينتبه المسؤولون إلى أن القاهرة وغالبية المدن في مصر كائنات ليلية.. مدن تنتعش اقتصاديا واجتماعيا مع حلول وقت متأخر من الليل.
تعد الانتعاشة المسائية دليل استقرار سياسي وأمني. ثقة بنظام حكم نجح في توفير درجة عالية من الأمان للدولة: قهر الإرهاب وتخلص من المتطرفين. أبعد مصر عن شبح تناحرات سادت دولا أخرى. لفت الأمر انتباه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما شارك في مؤتمر شرم الشيخ للسلام في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. لم يفته الحديث عن الأمن الذي تعيشه مصر، ملمحا إلى أنها أكثر أمنا من الولايات المتحدة.
لا أعلم لماذا أقدمت الحكومة على التقشف بهذه الطريقة القاسية. طريقة تنزع عن مصر صفة يرددها كثير من العرب وهي أنها بلد السهرانين، في إشارة ذات مضامين معنوية عميقة.
من المؤكد أن الحكومة لم تقصد الاكتفاء بأن نور الناس الذاتي بديل عن الكهرباء في الشوارع وعدم الحاجة إلى الطاقة برمتها. الترشيد من الرشادة ولا يعني اطفاء الأنوار. التوفير يبدأ بالحد من الاستهلاك وليس بغلق المقاهي والمطاعم.
كم تخسر مصر من فقدان الليالي السياحية الشهيرة إذا أصرت الحكومة على استمرار الإغلاق فترة طويلة؟ كيف تعالج مشكلة ازدياد البطالة عندما يقوم أصحاب المقاهي والمطاعم بالتخلص من نسبة كبيرة من العمال؟ هل فكرت في أن خطتها للتقشف سوف تؤدي إلى فقدان الدولة أحد منابع قوتها الناعمة الخفية؟ القوة الناعمة لا تقتصر على الثقافة والفن والإعلام. السهر وما يتضمنه من احتفالات يضيف قوة جديدة.
قوة يعلمها كل من اعتاد السهر وحفظ الكلمات التي شدت بها المطربة أم كلثوم وهي تنصح المحبين (ما طال النوم عمرا.. ولا قصّر في الأعمار طول السهر). يقول لسان حال المصريين والعرب الذين أحبوا ليالي القاهرة الصاخبة "ليس هكذا تورد الإبل يا حكومة".
خطط التقشف عديدة. طرق الحد من استهلاك الطاقة متباينة. ليس من بينها الاقتراب من الثوابت الرئيسية التي جعلت الكثير من العرب يحافظون على زيارة القاهرة، يتشوقون لزيارتها كمدينة تتسم بالحركة التجارية والعافية الإنسانية، لم تعد المدن المغلقة محببة. هناك مدن توفر أشكالا متعددة للعمل والكسب والإقامة الهادئة، تزداد أهميتها إذا اصطحبت أنواعا مختلفة لقضاء وقت مريح للسهر.
السهر جزء من الصورة الذهنية المأخوذة عن القاهرة وعدد كبير من المدن المصرية. لا أحد يتخيل العاصمة التاريخية العملاقة تنام مبكرا. الحرمان من السهر يُوجد وحشة وغربة وربما فجوة واسعة بينها وبين من درجوا على زيارتها. يظهر كل ذلك في شكل خسائر مادية ومعنوية سريعة كأن الحكومة استخدمت نصلا حادا وغرسته في صدرها من دون أن تدري عواقب خطوتها.
من يجوب شوارع القاهرة ليلا هذه الأيام يشعر أن أقدامه وطأت مدينة مليئة بالأشباح. شوارع مظلمة، مقاهي موحشة، مطاعم على رؤوسها الطير، متاجر موصدة، كل شيء يوحي بالاغتراب والعزلة. لم تعد مصر المعروفة بزخمها وصخبها. هل تعلم الحكومة أن الكثير من السائحين القادمين من دول عربية يفكرون في البحث عن دول بديلة تستوعب طاقتهم وينفقون بها أموالهم. تخرجهم من المعاناة الناجمة عن الحرب الإيرانية. إذا فقدت مصر السهر وما يحمله من مظاهر ناعمة تتساوى المدن الأخرى.
التقشف والحد من استهلاك الكهرباء بسبب أزمة الطاقة التي تطل برأسها على العالم من التصرفات الجيدة شريطة أن تبدأ الحكومة بنفسها، يتم تحديد جدول للأولويات. يأتي في آخر السلّم إغلاق المحال التجارية والمقاهي والمطاعم في التاسعة مساء، وإطفاء الأنوار في الشوارع. كلها من العلامات التي تحمل مفردات تشير عكس اتجاه القوة والثقة والاستقرار والأمن والأمان كعناصر أساسية للدولة المصرية. هل تريد الحكومة التضحية بكل ما تنطوي عليه هذه الكلمات من معان؟
أعتقد أن الحكومة تريد المزيد من السياحة وعدم الحد من الموارد الاقتصادية. هل تعلم أن شريحة كبيرة من المصريين تتعامل مع الإغلاق مبكرا كأنه حظر تجوال؟
عندما تقترب الساعة من التاسعة مساء تخلو الشوارع من المارة تقريبا. يندر مرور السيارات الخاصة. يخشى البعض من الخطف وانتشار الأعمال المنافية للأداب. مع الظلام الدامس وتوقف حركة الناس ربما يتشجع اللصوص على السرقات. بالتالي تتكبد الحكومة خسائر فادحة في رصيد الأمن الذي راكمته طوال السنوات الماضية.