فانتازيا البكالوريا المصرية في 'برشامة'

فيلم 'برشامة' حقق تفوقا لافتا في اقبال الجمهور على شباك التذاكر، ليس لأنه يقدم فكرة عبقرية ويعالج قصة مبتكرة، لكن لأنه حدد هدفه في الحصول على كوميديا مكتملة الأركان.

القاهرة- تحتل شهادة الثانوية العامة التعليمية في مصر أو ما يسمى بـ"البكالوريا" في دول أخرى مساحة كبيرة من اهتمام الأسر. تمثل صداعا مزمنا لكثير منهم، باعتبارها مرحلة مفصلية في حياة الطلاب. تنقلهم إلى الجامعة بتخصصاتها المختلفة بموجبها يتحدد مصير كل طالب وطالبة وأي مستقبل ينتظره/ ينتظرها. يلعب مجموع الدرجات النهائية في مصر دورا مهما في اختيار نوع الكلية التي سيتم الالتحاق بها.

هناك أعمال سينمائية عديدة تعرضت لهذه المرحلة وما يصاحبها من مشاغبات وتغيرات بيولوجية واجتماعية وثقافية، قدمت مقاربات فنية من زوايا عديدة أبرزها "فيلم ثقافي" و"بنات ثانوي" و"مدرسة الصفا ثانوية بنات". كل منها تطرق إلى جانب من هموم الثانوية العامة (البكالوريا) بشكل يغلب عليه الطابع الكوميدي الساخر من أجل جذب انتباه شريحة كبيرة من المراهقين والمراهقات.

في الفيلم الذي بدأ عرضه في دور العرض المصرية بمناسبة موسم عيد الفطر بعنوان "برشامة" نجد معالجة سينمائية جديدة لهذه المرحلة الحساسة في الوجدان العام للمصريين.

اعتمد العمل على الفانتازيا بشكل واضح لتقريب الفكرة التي أراد صناع الفيلم توصيلها إلى الجمهور. تتعلق بأداء عدد من طلاب الثانوية الامتحان وهم في أعمار سنية متباينة، بينهم أشخاص فوق الستين عاما.

تسمى اللجنة التي تستقبل هؤلاء لأداء الامتحان بلجنة "المنازل" أي من يقومون بتحصيل دروسهم من بيوتهم دون حاجة إلى ارتياد المدرسة بشكل منتظم. تختلف الأماكن التي يقيمون فيها. المحكوم عليهم بالسجن والمرضى وكبار السن ومن يريدون استكمال تعليمهم بعد فوات الأوان، كلهم يؤدون امتحانهم في هذه اللجان الخاصة.

يكفي اسم الفيلم (برشامة) لمعرفة الفكرة الرئيسية التي يدور حولها في المخيّال الشعبي للمصريين. وهي الغش في الامتحانات. يقوم بعض الطلاب بتخليض المقررات الدراسية في وريقات صغيرة تعرف بـ"البرشامة" كدليل على صغر حجمها، وقدرتها على الشفاء/النجاح في اجتياز الامتحان مهما كانت صعوبته. يلجأ إليها الطلاب الكسالى ومن لا يداوم على مذاكرة دروسه بجدية.

ضمت اللجنة في فيلم "برشامة" نماذج مختلفة من الممتحين، متناقضة في التوجهات، متباينة في الطبقات الاجتماعية، تكفي للحصور على ذخيرة كبيرة من الضحك. هشام ماجد في دور عبدالحميد الرجل الطيب الملتزم دينيا. خالد صلاح في دور حجاج المسجون في قضية مخدرات. ريهام عبدالغفور في دور فاتن الراقصة في الملاهي.

برشامة
برشامة

جسّد مصطفى غريب دور الشاب "حليلة" المغلوب على أمره بسبب ضعف قواه الذهنية وارتفاع رهان الأب عليه وتجاهل أفقه الضيّق. باسم سمرة في دور العمدة عبدالرحيم الذي يسعى عبر كل السبل نحو توصيل الإجابات الصحيحة إلى ابنه. عارفة عبدالرسول في دور أنعام، الطيبة والشريرة، البريئة والخبيثة. فاتن سعيد في دور زينب الشاطرة التي تريد النجاح للتخلص من قبضة أسرتها.

ميشيل ميلاد في دور أستاذ اللغة العربية درديري الذي يجبره العمدة على توفير إجابات وافية وتوصيلها إلى ابنه ومن معه من خلال مكبر صوت. فضلا عن كمال أبورية في دور مراقب اللجنة. محمد أبوداود في دور المشرف على لجنة الامتحان الخاصة بالمنازل، كلاهما يحاول ضبط الطلاب في اللجنة ومنع الغش فيها.

يحصل من يشاهد فيلم "برشامة" على وجبة من الضحك. لجأ المؤلفان أحمد الزغبي وشيرين دياب إلى الاستعانة بكوميديا الموقف وإطلاق طاقات كل فنان/فنانة لتقديم أقصى ما يمكن من السخرية المعتادة وسط مجموعة تضم تنويعة من الطلاب. لا رابط بينهم سوى أداء امتحان الثانوية العامة.

يكفي الكوكتيل الذي تتشكل منه اللجنة للحصول على مساحة من الضحك. في وجود حاتم صلاح الذي يزداد بريقه الفني يوما بعد يوم. مصطفى غريب الذي لا يزال أسيرا لتوظيف جسده وأضاف إليه لهجته التي فرضها أداء دور شاب محدود الذكاء.

في كل عمل يثبّت هشام ماجد أقدامه، يؤكد أنه فنان يجيد الكوميديا بلا افتعال. يمنح الفرصة لمن حوله. يرفض الاستحواذ على الكاميرا بمفرده. نجحت ريهام عبدالغفور في دخول منطقة جديدة (الراقصة) لتتخلص من عباءة البريئة والمقهورة، بينما لا يزال ميشيل ميلاد يلعب فنيا في المنطقة التي يجيدها، يحتاج إلى الخروج منها سريعا لتجنب حصره في دور الشاب الطيب الذي يتعرض لضغوط كبيرة بلا مقاومة.

معالجة سينمائية جديدة
معالجة سينمائية جديدة

قدّم مخرج الفيلم خالد دياب وصفة فنية بسيطة تتناسب مع أجواء موسم العيد، إذ يخرج المشاهدون من تخمة مسلسلات رمضان وهم يبحثون عن ضحكة تأتيتهم عبر فيلم جديد أو حبكة فنية خفيفة تنسيهم الدسم الذي تركه الموسم الدرامي في رمضان.

نجح دياب في تقديم عمل جعل الفانتازيا هدفا أساسيا من خلال توظيف قدرات من وقع عليهم الاخيتار لتجسيد الأدوار. كل منهم يملك ميزة وطاقة وقدرة على جلب الضحكات بأسلوب السهل الممتنع. استخدام ألفاظ متداولة لدى المصريين، وضعها في سياقات تتناسب مع ما تتطلبه فكرة التنوع في تمثيل طبقات مختلفة من المجتمع.

حقق فيلم "برشامة" تفوقا لافتا في اقبال الجمهور على شباك التذاكر، ليس لأنه يقدم فكرة عبقرية ويعالج قصة مبتكرة، لكن لأنه حدد هدفه في الحصول على كوميديا مكتملة الأركان. فهم أن الجمهور يحتاج إلى هذا النوع من الأعمال. جرى استغلال ندرة الأفلام المطروحة في موسم عيد الفطر. الفيلم الوحيد الذي كان من المتوقع أن ينافسه هو 'سفاح التجمع' تم رفعه من دور العرض بعد يوم واحد من طرحه بحجة أنه يتضمن مشاهد عنف مبالغ فيها.

تستطيع شريحة من الجمهور مشاهدة الفيلم أكثر من مرة. في كل مرة يحصل عدد كبير من هذه الشريحة على كمية جيدة من الضحك. الفانتازيا التي اعتمد عليها المخرج خالد دياب توفر مساحة لاستحضار الكوميديا بلا ملل. لم يقدم طاقم التمثيل على ممارسة فضيلة الضحك لاستجداء الجمهور. جاءت معظم المشاهد تلقائية وحافلة بالسخرية، تحمل بين جنباتها الكثير من المعاني الإنسانية.

تريد الراقصة 'فاتن' الحصول على شهادة الثانوية العامة لتمكن من تغيير وظيفتها وتجد عملا لا تخجل منه طفلتها. السيدة العجوز (أنعام) تريد نيل الشهادة لتحسين معاشها الذي تتحصل عليه كل شهر. تتوالى الأسباب والدوافع لدى كل طالب في اللجنة لتصب في خندق أخلاقي معين.

يصل الفيلم في النهاية إلى أن الغش لن ينفع أصحابه مهما زادت الحيل نحو ارتكابه يمكن أن تحدث مفاجآت قدرية تمنع تحقيق هدفه. تظل المعاني النبيلة من سمات البشر. تتغلب على الطبائع السيئة، تنتصر على ما عداها من عناصر غير أخلاقية. التمسك بالفضيلة يصب في الفطرة التي خلق عليها الناس، بينما اللجوء إلى طرق تنطوي على فساد سيكون كفيلا بانهاك المجتمع والتخلص من روحه الإيجابية.