الخيار "شمشون" لن ينقذ إيران
معروف أن الخيار شمشون يعني ببساطة علي وعلى أعدائي. لا يترك طريقا إلا وسلكه ولو أدى إلى وفاة صاحبه. هكذا تتعامل إيران مع الضربات الإسرائيلية- الأميركية التي بدأت صباح السبت، فقد تأكدت أن الهدف من الضربات هو إسقاط النظام الحاكم وبالتالي يجب أن يكون الرد بلا حساب للعواقب، فإذا كان النظام هدفا فلا خطوط حمراء أو ممانعات تحول دون الرد بكل السبل من بينها السبيل العشوائي.
لم يكن الرد الإيراني حتى منتضف يوم السبت عشوائيا. كان محسوبا ودقيقا. وجهت ضربات إلى غالبية القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج العربي. بعيدا عن نتائجها المادية وحجم الخسائر في بنيتها التحتية، تشير رمزيتها إلى تحول كبير في الرؤية الإيرانية. في الصيف الماضي ردت طهران بعد مضي ساعات طويلة على ما قامت به إسرائيل ضد أهداف إيرانية حيوية ورفيعة المستوى في القيادة، بينما الرد هذه المرة كان سريعا. تجاوز حدود إسرائيل كهدف رئيسي لضربات طهران.
يعني هذا المسار أن إيران اختارت الطريق الوعر في ردها على العمليات الإسرائيلية- الأميركية المشتركة التي تضم أهدافا نوعية موزعة على أنحاء الأراضي الإيرانية. إسقاط النظام الحاكم في طهران هو العنوان الواضح في تصريحات كثير من المسؤولين في كل من واشنطن وتل أبيب هذه المرة، ما جعل التعامل مع الحرب الراهنة مختلفا من الجانبين عن نظيرتها في يونيو/حزيران الماضي.
تخوض إيران هذه الحرب وتعلم أنها مصيرية. لن تفلح فيها تفاهمات سرية أو اتفاقات ضمنية. لن تتمكن الولايات المتحدة من عقد صفقات خفية مع طهران تقود إلى تحجيم ضرباتها على قواعدها في المنطقة. جرى رفع المحرمات التي مثلت كابحا أمام الطرفين في أوقات سابقة. اليوم لا توجد حُرمة لهدف أو حماية نهائية لقاعدة، فكما طالت ضربات إسرائيل وأميركا إيران من شمالها إلى جنوبها، ومن غربها إلى شرقها، لم تتردد طهران في الرد على كل الأهداف التي تستطيع الوصول إليها، ما يفتح المجال لحرب مفتوحة يمكن أن تقود إلى مشاركة أطراف أخرى فيها.
سقط عنصر المفاجأة في هذه الحرب، حيث استعدت لها إيران بما يتوافر لها من إمكانيات غير معروف دقتها. فقدت إسرائيل والولايات المتحدة سلاحا مهما كان يمكن أن يكبّد إيران خسائر فادحة ويتمثل في عنصر المباغتة التي حدثت في حرب الصيف الماضي، والتي اهتزت معها الكثير من القواعد العسكرية الإيرانية. وتعرضت قيادتها إلى ضربات إجهاضية. احتاجت طهران إلى وقت لتتمكن من الرد على ما تعرضت له من عمليات واسعة نالت الكثير من القيادات العسكرية والنووية.
كل من تابع سير المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية لم يساوره شك في أن الضربة العسكرية قادمة لا محالة. إنطلاقا من الخبرات السابقة كانت المفاوضات التي جرت في كل من مسقط وجنيف وسيلة للاستثمار في الوقت واستكمال تهيئة المسرح العسكري.
لم تتوقف الولايات المتحدة عن الحشد والاستعدادات العسكرية. لم تخف إسرائيل رغبتها في الانتقام من إيران إلى حد إنهيارها، تعتبر أن الوقت الراهن يمثل لحظة تاريخية مهمة لن تتكرر أمامها.
دفع اللوبي الإسرائيلي الرئيس الأميركي دونالد ترامب دفعا نحو خيار الحرب، فوت جميع الفرص أمامه على المضي قدما في طريق المفاوضات ومنح طهران فرصة وراء أخرى.
استخدم اللوبي ما حوته فضيحة ايبستين من وثائق ضد ترامب. أجبره على عدم التراجع عن خيار حرب قد تستغرق وقتا طويلا يمكن أن تواجه فيه الولايات المتحدة مأزقا إستراتيجيا حادا تستفيد منه الصين وروسيا وتصبح إيران ساحة اختبار للدور الأميركي في العالم، حيث ضرب الرئيس ترامب الكثير من الثوابت الإقليمية.
تعلم إيران أنها لن تخرج رابحة من معركة حشدت لها الولايات المتحدة بصورة غير مسبوقة. استعدت لها إسرائيل جيدا. تسعى طهران إلى أن تكون نتائج الحرب مكلفة للجميع.
في معظم الصراعات السابقة التي خاضتها واشنطن وتل أبيب كانت هناك مساحات فارغة نجحت القوى المستهدفة منهما في الحركة داخلها، بما يوحي بوجود قدرة على المنافسة. حدث ذلك مع حزب الله في لبنان، وحركة حماس في قطاع غزة، ومع جماعة الحوثي في اليمن. كل منها زعم أنه لم يخسر الحرب.
يبدو الموقف مغايرا هذه المرة. إيران تخوض حرب مباشرة. أذرعها خسرت الكثير من قدراتها. لا توجد فرصة أمامها سوى إظهار شكيمتها، محاولة أن تكون المعركة صعبة على الخصم. إطالة أمدها هدفا محوريا أملا في إرهاق الداخل الإسرائيلي، استنفار الداخل الأميركي، حث المجتمع الدولي على التحرك لفرملة الولايات المتحدة.
قيام إيران بتوسيع نطاق الحرب لن يخدمها على المدى القريب. الخيار شمشون الذي تتبعه طهران سيكون سببا لاستنفار الكثير من الدول ومشاركتها صراحة في الحرب. بهذه النتيجة تخسر إيران الدول التي أعلنت حيادها وتلك التي رفضت الحرب وحذرت من عواقبها الوخيمة على منطقة الشرق الأوسط. قد تصبح طهران وحيدة وسط محيط إقليمي عاصف يضج بما قامت به من ضربات على قواعد مختلفة، مهما كانت حصيلتها ربما تفتح المجال نحو مشاركة قوى أخرى.
تسعى إسرائيل إلى الاستثمار في الطريق الذي تتبناه طهران. تعمل على حث قوى أخرى لتصديق روايتها المتعلقة بأن إيران أكبر خطر يهدد المنطقة من الواجب التخلص منه سريعا باستخدام أكبر كثافة نيرانية. بناء تحالف واسع من أجل إنهاء العقدة التي تمثلها طهران لتل أبيب.
تريد إسرائيل منح مصداقية عالية لخطابها.. توظيف ما قامت به إيران من ضربات ضد بنوك أهداف خليجية لتأكيد أن قيادتها شريرة وتصر على أن تظل عنصرا مشاغبا.. تهديدها وجوديا لإسرائيل وعدد كبير من دول المنطقة ويجب إزالته فورا.
الحرب الراهنة هي مقدمة عملية للتخلص من النظام الإيراني الذي يعلم أن توقفها لن يكون مريحا له. إما أن يقود إلى إسقاط هرم السلطة بمعناها الديني والسياسي والعسكري أو التوقيع على صفقة استسلام تفضي في المستقبل إلى تحويله إلى نظام عاجز عن الوقوف في وجه الترتيبات الإسرائيلية - الأميركية للمرحلة المقبلة.
إذا نجحت إيران في إحداث خسائر باهظة في حاملات الطائرات الأميركية والقواعد العسكرية في المنطقة، ستكون نهاية نظامها حتمية وسريعة لأنها لن تستطيع تحمل كثافة النيران المتوقعة. قد يتحرك الشارع والمعارضون فيها وهو ما دعا إليه الرئيس ترامب صراحة وينتظر حصد نتائجه سريعا قبل أن يتحول الخيار شمشون إلى أداة تحفظ لطهران جانبا من ماء الوجه كما حدث في حرب الصيف الماضي.