نبوءات الحرب الإيرانية
هناك فرق بين التوقعات المبنية على أسس علمية وبين تلك التي تعتمد على التخمينات وارتداء لباس النبوءات المرئية، فقد زادت التوقعات والتكهنات بعد اندلاع الحرب الإيرانية وانقسم المتابعون لهذا الجدل إلى فريقين متنافسين خفية.
فريق يميل إلى الثقة في ما ردده الإعلامي المصري توفيق عكاشة حول تفوق إسرائيل الكاسح وسيطرتها على مفاصل المنطقة، وما تفوهت به خبيرة التنجيم اللبنانية ليلى عبداللطيف بشأن حدوث هزات كبيرة في دول واغتيال قيادات بعينها. وبينهما من وضعوا خيارات مختلفة منها ما يشير لانتصار إيران وسقوط حلف ترامب- نتنياهو.
يعتمد الفريق الثاني على التحليل الواقعي للحرب ومآلاتها، ووضع سيناريوهات متخيّلة لما يمكن أن تصبح عليه المنطقة. تنقسم نبوءاته إلى جزءين. الأول: يستند إلى التحليل بناء على المعطيات والمعلومات التي تتوالى يوميا، وغالبيتها يأتي مصحوبا بتناقضات فاضحة لأن المنخرطين في الحرب، وأبرزهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه المعاون، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وكبار المسؤولين في بلاده، تبدو تصريحاتهم متذبذبة ومرتبكة أحيانا.
يلجأ الجزء الثاني إلى وضع رؤى تنطلق من تحليل إستراتيجي عميق للأحداث ما يجعل موقفه صلبا بعض الشيء. ويظل محشورا في زاوية التوقعات الرائجة للحرب الإيرانية. سطع نجم البروفسور الصيني تشانغ مؤخرا مع وضعه ثلاثة تصورات، تحقق منها إثنان، إذ توقع فوز ترامب في الانتخابات الأميركية منذ أكثر من عام. وخوض الولايات المتحدة حربا ضد إيران بعد نجاحها وتسبب تصوره الثالث في كثير من اللغط قبل أيام ويتعلق بخسارة ترامب المنتظرة لهذه الحرب. الأمر الذي طُرب له مؤيدو طهران، وغضب منه خصومها.
بعيدا عن معادلة الطرب والغضب وما بينهما من مفارقات، تموج وسائل الإعلام بأنواع عديدة من الرصد والتحليل والتوقعات والتخمينات والتكهنات. أدت هذه الحالة إلى إصابة شريحة من الجمهور بصدمة أخلاقية ومهنية، فالسيناريو الذي يسمعه ليلا يُجض صباحا. وتفضي التطورات إلى تقدم سيناريو آخر أو أكثر. تحولت المسألة إلى لعبة في العصف الذهني بين عدد غفير ممن يمتلكون قدرة على صياغة منظومة جذابة من العبارات والمفردات الثقيلة، ما يوحي أن من نطقوا بها أو كتبوها وصاغوها لديهم قرون استشعار عالية في علم النبوءات.
على الرغم من تداخل العلم بالخرافة في هذا العالم، إلا أن بعضا ممن يتصدون له لديهم ثقة بالنفس مبالغ فيها تصل إلى مستوى الزعم بمعرفة الطالع ومكوناته. ووجود قدرة خرافية في اليقين بما يقدمونه من تصورات.
أحدهم خبير عسكري يظهر على إحدى الفضائيات العربية قطع بأن الحرب ستنتهي في غضون ثلاثة أيام. آخرون توقعوا أن الضربة الأولى التي تلقتها إيران وأدت إلى وفاة نحو أربعين من كبار قادتها، على رأسهم المرشد علي خامنئي، قاضية وستكون كفيلة بإنهاء الحرب سريعا ثم فوجئنا أنها دخلت يومها الخامس (الأربعاء).
دفع هذا الأمر الرئيس ترامب إلى تعديل سرديته من أن الحرب لن تستغرق سوى أسبوع، إلى فترة تتراوح بين 4 و5 أسابيع. ثم جعل السقف الزمني مفتوحا بعض الشيء. ولجأ نتنياهو إلى صرف النظر عن تقدير أولي قال إنها تحتاج إلى أربعة أيام، وجعلها مفتوحة لاحقا، لكن سوف يكون لها نهاية حتما، في إشارة إلى عدم تكرار حربه على قطاع غزة. وتكرار ضرباته على كل من لبنان وسوريا.
يلعب العنصر الزمني دورا مهما في التحليلات السياسية، فعدد كبير من المراقبين باتوا على قناعة بأن أحد أهم رهانات إيران هو الوقت. كلما طال أمد الحرب جنت مكاسب، أو بمعنى أدق حدثت ضغوط كبيرة على الرئيس ترامب. بات نتنياهو في مأزق، باعتبار أن إسرائيل لن تتحمل حربا طويلا تؤدي خسائرها المادية إلى وقفها.
ويحوي هذا الاستنتاج الذي راج في أجندة الخبراء أكثر من محدد. يقول إن إيران ستواصل طريقتها في توظيف الخسائر العسكرية بطريقة سياسية. فكل ما تكبدته في الميدان تستطيع تحويله إلى نصر سياسي- معنوي. كما حدث في حرب يونيو- حزيران الماضي. وفي غالبية الحروب التي خاضعها حلفاؤها بالمنطقة في مواجهة إسرائيل بدءا من حزب الله اللبناني إلى حركة حماس الفلسطينية مرورا بجماعة الحوثي اليمنية.
يستند من يعتمدون على هذه النقطة في خطابهم إلى قدرة إيران على الصمود وتحمل الخسائر البشرية فترة طويلة، مقارنة بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. عندما لاحظ أنصار القدرة الفائقة على التحمل وجود تذبذب في أهداف هاتين الدولتين من الحرب. هل هي إسقاط النظام، أم تدمير قدراته النووية والباليستية، أم دعم تظاهرات داخلية واختيار بديل يتم تجهيزه، اشتغلت آلتهم الإعلامية على توقع حدوث تراجع في تطورات الحرب يميل إلى صالح طهران.
زاد هذا التوقع مع حرص إيران على تكبيد الولايات المتحدة ودول الخليج العربي ودول أوروبية خسائر مادية فادحة. باتت مصالح هذه الدول الاقتصادية والعسكرية هدفا يوميا للصواريخ والمسيرات الإيرانية. نعم يتم تدمير عدد كبير منها من قبل الدفاعات الجوية، لكن استمرار النيران عزز قناعات فريق الرهان على عنصر الزمن بحجة أن هذه الدول لن تتحمل خوض حربا لفترة طويلة، بينما إيران التي تخوض معركة وجودية لن تهمها الخسائر البشرية وتدمير بنيتها التحتية إنطلاقا من رؤى عقائدية وإذا كان مقتل خامنئي لم يحدث خللا كبيرا في مركز القيادة حتى الآن، بإمكانها المضي قدما في الحرب.
يتوقف هذا المحدد على ما لدى إيران من مخزون تسليحي يساعدها على الصمود لأطول وقت ممكن حتى تتمكن من الفوز بالنتائج التي تترتب على عامل الزمن وما يصاحبه من توقعات حول حدوث شلل اقتصادي في العالم عقب غلق مضيق هرمز وتعطل تدفق الطاقة من الخليج العربي. بجانب ظهور ملامح لحرب الناقلات.
ما يعيب هذا الرهان أن أصحابه لم ينتبهوا إلى ما حدث من تحولات في العقلية الإسرائيلية خلال عهد نتنياهو في التفكير الأميركي في فترة رئاسة ترامب الثانية. الأول خاض حربا على قطاع غزة لنحو عامين. تخللتها حروب مع كل من حزب الله في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن. علاوة على حرب مؤقتة مع إيران لمدة 12 يوما. وضربات متقطعة على كل من سوريا والعراق، ما يعني دحض أو نهاية فكرة الحروب القصيرة المفضلة لدى إسرائيل. بالتالي يمكن أن تستمر الحرب مع إيران إلى ما يفقد عنصر الزمن قيمته الإستراتيجية في الحسابات الإيرانية.
يعلم ترامب أن هذه الحرب مصيرية له. إما أن يربحها دون النظر إلى تكلفتها ويربح معها كل شيء، أو يخسرها ويضطر إلى وقفها تحت ضغوط داخلية قاسية ويخسر معها والحزب الجمهوري كل شيء. من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر- تشرين الثاني، ورغبته الدفينة في تمديد ولايته لفترة رئاسية ثالثة، وعدم جنى مكاسب اقتصادية كبيرة. ما يدفعه نحو تحمل تداعيات الزمن. واستخدام أقصى قوة من النيران لتجنب شبح المساءلة القانونية. وهي واحدة من نبوءات الحرب الإيرانية.