كيف قرأت مصر خريطة المنطقة

بعد أن قرأت القاهرة خريطة الشرق الأوسط وأجادت التعامل معها حتى الآن ستكون قابلية المصريين مرتفعة لتحمل تكاليف وانعكاسات وتداعيات ما يجري في المنطقة.            

القاهرة - قد يكون كثيرون في مصر مدينين للاعتذار لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد رؤية التطورات الجارية في منطقة الشرق الأوسط والحرب الإيرانية، والتي سبقتها تقديرات مصرية قالت إنها تقترب من انفجار كبير.

سبب الاعتذار أن شريحة ليست هينة من المواطنين شككوا في توجهات الدولة خلال السنوات الماضية. تلقى الرئيس السيسي لوما على غالبية مشروعاته وتحركاته الداخلية والخارجية.

تعمدت أجهزة الدولة الرفيعة عدم تقديم مبررات لمنتقدي النظام. اكتفى الرئيس السيسي بتلميحات من وقت لآخر للتهدئة حول جدوى ما يقوم به على أصعدة مختلفة. عندما وقعت عملية طوفان الأقصى واندلعت الحرب على قطاع غزة وطال أمد المواجهة بين إسرائيل وحركة حماس، وامتدت إلى آخرين، فهم خبراء ومواطنون جانبا من الصورة.

تم الكشف عن مخطط لتهجير سكان القطاع إلى مصر التي كانت مستعدة لصده بكل السبل. نجحت الدولة في إجهاضه حتى الآن، تحملت انتقادات وعرة. اتهمت بمنع ادخال المساعدات الإنسانية إلى غزة وحصار سكان القطاع. استوعبت مصر على مضض ما راج بشأن تقاعسها عن إنقاذ فلسطيني غزة.

بعد وقوع حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كتبت مقالا بجريدة الأهرام المصرية بعنوان "الآن فهمنا ما حدث في سيناء" مفاده أن كل الخطوات التي اتخذت من تطوير المعدات العسكرية، كثافة التمركزات في سيناء، إنشاء مشروعات بنية تحتية متعددة، ربط شرق سيناء بغربها، تطوير عمل الموانيء البحرية على البحرين المتوسط والأحمر وغيرها من الإجراءات المهمة، كان من بين أهدافها سد الطريق على سيناريو التهجير. الاستعداد لمرحلة أشد صعوبة ستمر بها المنطقة في القلب منها مصر، باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط.

قرأت مصر كف المنطقة وطالعها الجغرافي مبكرا. جهزت أسلحتها العسكرية والاقتصادية والسياسية للتعامل مع الخرائط الجديدة التي يحاول البعض رسمها على الأرض. تقوم إسرائيل بمساعدة أميركية بالترتيب لها عملياتيا. ليست صدفة أن تحاصر مصر بصراعات في كل من غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر. سقط النظام الحاكم في دمشق ولاحت الفوضى في سوريا. قبل ذلك دخلت أزمة سد النهضة الإثيوبي مسارا قاتما يعرّض مصر لشحا مستقبليا في المياه. لم تتورط القاهرة في اشتباك عسكري مباشر مع أي من هذه الأزمات. اتخذت إجراءات مختلفة للتعامل معها بهدوء. تعجب كثيرون مما بات يطلق عليه سياسة الصبر الإستراتيجي.

سمعت من أحد الجنرالات أن مصر لن تتدخل عسكريا في ليبيا، ردا على سؤالي له لماذا لا نتدخل عسكريا في ليبيا. كتبت مقالا بهذا العنوان بجريدة العرب. استطرد الرجل في الحديث ومد الخيط على استقامته بأن مصر لن تتدخل في أي من الأزمات الإقليمية إلا إذا وقع اعتداء مباشر على أمنها القومي.

رأينا كيف تعاملت القاهرة بأناة وصبر مع كل الصراعات التي أحاطت بها من جبهات إستراتيجية متباينة. رسخ في قناعة صانع القرار أن مصر مستهدفة. أي تدخل عسكري في أي مكان يعني تورطها في حرب مفتوحة وغير مأمونة عواقبها. في وقت يتم تجهيز المسرح في المنطقة للتخلص من القوى الرئيسية فيها.

ساد هذا الخطاب منذ عشر سنوات، ولا زال مستمرا. وقتها لم تحدث طوفان الأقصى ونشاهد روافدها. لم تظهر ملامح مواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. كانت المنطقة تتعايش مع صراعات تقليدية إلى حد بعيد. بينما مصر تسارع الخطوات لبناء العاصمة الإدراية الجديدة في شرق القاهرة. تطوير شبكة الطرق والمواصلات. وسعّت ممر قناة السويس كشريان حيوي للنقل. تم تحديث البنية التحتية من شمال البلاد إلى جنوبها. دشن مشروع القطار السريع لربط المفاصل الرئيسية في الدولة.

علاوة على تطوير المؤسسة العسكرية ومد الجيش بأحدث أنواع التكنولوجيا المتقدمة. وقتها سأل مصريون: لماذ الإنفاق العسكري المبالغ فيه والدولة تربطها معاهدة سلام مع إسرائيل؟ لم يحصل المواطنون على إجابات محددة. لم يفصح السيسي عما يدور في ذهنه بشكل واضح. أصر على تلميحات من نوعية اصبروا وتحملوا يا مصريين.

كل الإجابات التي كانت تأتي بعيدا عن الرئيس السيسي جاءت مبتورة ورمادية. شابها أحيانا تشويش كبير عن قصد. أخفقت إجمالا في اقناع الناس أن الإجراءات التي اتخذت والمشروعات التي كان هناك ما يشبه السباق لتسريع معدل إنشائها تندرج في إطار خطة إستراتيجية محكمة. ضمن استعدادات مبكرة لما هو قادم.

بعد أن وقعت الواقعة واصطدمت إسرائيل والولايات المتحدة مع إيران واشتعلت المنطقة وأصبحت على صفيح ساخن. بدأ مصريون يتفهمون أهمية المشروعات التي أنشئت والتحديثات التقنية في المؤسسة العسكرية والنأي عن الإنخراط في صراعات إقليمية. تخيل كثيرون منهم اندلاع الحرب الإيرانية في غياب الكثير من الإجراءات الحمائية التي اتخذت. توقعوا أن الورطة ستكون أكثر صعوبة إذا زادت مستويات الفوضى في المنطقة. توسع نطاق حرب بدأت شرارتها الأولى من غزة.

يتذكر المراقبون تحذيرات الرئيس السيسي من خطورة شن حرب على إيران. حديثه أن توسيع نطاق الصراع في غزة سيضع الشرق الأوسط على فوهة بركان. الآن فهم المصريون مضمون الخطوات التي اتخذت  في بلدهم. استوعبوا معنى التحذيرات التي انطلقت من القاهرة على هامش الحرب الإسرائيلية على غزة وما صاحبها من امتداد إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن. عزوف مصر عن المشاركة في أي منها.

عرف مصريون أيضا أهمية الاستثمار في تطوير البنية التحتية والتوسع في مشروعات الطرق والتعمير والتنمية الشاملة شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا ظهرت المعرفة عقب تصاعد المواجهة العسكرية في منطقة الخليج العربي. إغلاق مضيق هرمز. تعرض مصادر الطاقة الرئيسية وأحد محاور التجارة في العالم لما يقترب من الشلل.

بدأ الحديث يتواتر حول الاستفادة من الموقع الجغرافي المميز لمصر في توفير بديل لطرق الطاقة من خلال نقلها عبر السعودية إلى البحر الأحمر ومنها لمصر وخط سوميد ودول أوروبا والعكس صحيح لنقل البضائع إلى دول الخليج العربي.

أخذ المواطن العادي يكتشف أن تسليح الجيش كان عملا مخططا بإتقان. ويفهم بأثر رجعي أسباب عدم التورط في الصراعات الإقليمية. الصبر على الأزمات الحادة التي واجهتها القاهرة. ويثق في القيادة السياسية وتوجهاتها الخارجية.

تحمل المواطن البسيط تبعات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد منذ سنوات. يبدو أنه على استعداد لتحمل ما هو أصعب في الفترة المقبلة. وفرت هذه الحالة ارتياحا لدى حكومة كانت منزعجة من كيفية تمرير الإجراءات الاقتصادية القاسية. بعد أن قرأت القاهرة خريطة الشرق الأوسط وأجادت التعامل معها حتى الآن ستكون قابلية المصريين مرتفعة لتحمل تكاليف وانعكاسات وتداعيات ما يجري في المنطقة.