معادلة أمن الخليج خط أحمر لمصر

النتائج الأمنية الناجمة عن الحرب الإيرانية ستفرض إعادة النظر في منظومة الأمن الحالية وادخال تعديلات عليها كي لا تصبح الدول الست، مجتمعة أو متفرقة.

القاهرة - لم تفلح تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي بشأن العوة إلى الحديث عن تشكيل قوة عربية مشتركة للحفاظ على أمن الخليج العربي، في وأد تراشقات بين مصريين وخليجيين ارتفع صوتها مع تعرض دول الخليج الست لاعتداءات عسكرية سافرة من جانب إيران، ومرت تقريبا بلا تركيز حقيقي عليها.

أراد الوزير المصري التذكير بفكرة طرحتها بلاده منذ نحو عشر سنوات ولم تجد آذنا صاغية وقبولا في حينه. ربما سعى بدر عبدالعاطي إلى وأد فتنة مفتعلة بين الجانبين والتفكير بشكل عملي في أدوات تسهم في الحفاظ على الأمن القومي العربي وصد التهديدات التي يتعرض لها في خضم أزمة عاصفة قد تتسبب في مزيد من تدهوره.

فُتح نقاش ساخن بين مغردين مصريين وآخرين من دول خليجية حول عدم تطبيق القاهرة رؤيتها التي جرى تداولها منذ سنوات بشأن أن أمن الخليج العربي خط أحمر بالنسبة لمصر. وقيل إن الأخيرة لم تبادر نحو تطبيق المعنى الحرفي الظاهر للعبارة بعد اعتداءات إيران على ست دول خليجية. لم يسأل أحد عن الأسباب والدوافع والكيفية التي حرفت هذه العبارة عن مسارها الصحيح.

أخذ النقاش شكلا صاخبا أحيانا وساخرا في أحيان أخرى. تاهت الفكرة الرئيسية وغابت الرشادة في الحوار وسط رؤى حادة خيّم عليها قدر وافر من الاستقطاب. حاولت بعض الأطراف المستفيدة من استمرار الشد والاستنفار تغذية الاستقطاب بطرق متباينة. ثم انتقل النقاش من العالم الافتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي إلى بعض وسائل الإعلام بمشاركة صحافيين معروفين وأخذ منحى جديا.

زاد العتب الخليجي مع ظهور تعاطف في الموقف الشعبي مع إيران. يصعب القياس عليه لدى عموم المصريين. لا يعني أنهم راضون عما تتعرض له دول الخليج من تهديدات. بل يعني كرها للعدوان الأميركي والإسرائيلي على دولة مسلمة، سواء اكانت إيران أو غيرها. الموقف الرسمي المصري واضح أنه منحاز تماما إلى جانب الخليج ورافض لاعتداءات طهران على أراضي دوله.

أدانت غالبية الرؤى الشعبية التي تم التعبير عنها بصور عدة ما قامت به إيران على دول الخليج واقتربت من الموقف الرسمي في هذه الجزئية. هناك نحو 5 ملايين مصري يعملون في دول الخليج الست، والعراق والأردن. وهذا يعني أن هناك عشرين ملايين مواطن على الأقل يرفضون ما قامت به إيران بحق الدول الثمانية. وذلك إذا افترضنا أن كل عامل مصري يعول نحو أربعة أشخاص فقط. ناهيك عمن لهم مصالح مباشرة أو غير مباشرة أو عملوا بدول الخليج في سنوات ماضية. وهؤلاء وقرت مشاعر إيجابية في وجدانهم. جُلهم لهم ذكريات جيدة يحتفظون بها حتى الآن. ويصعب القول إنهم كارهون لدول الخليج أو مؤيدون لما فعلته إيران.

انحرف النقاش عن سياقه الموضوعي وأخذ شكلا عنيفا في مفرداته ومعانيه. تغافل الجانبان الأزمة الحقيقية وهي تعرض دول الخليج لعدوان واسع من إيران. وسط قصف أهداف أميركية، هاجمت طهران مصالح خليجية مدنية وأصابت أفراد لا ذنب لهم، ما ضاعف من النقمة وزاد التعاطف المصري والعربي عموما مع دول الخليج.

استدعى مغردون وصحافيون عبارة قالها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي منذ سنوات (مسافة السكة) كدليل على سرعة الاستجابة للدفاع عن أمن الخليج وعدم التأخر عن المشاركة في صد أي عدوان يتعرض له. وعبارة (أمن الخليج خط أحمر). وردت على لسان الرئيس السيسي أيضا ومسؤولين كبار آخرين بصياغات مختلفة.

أخرجت العبارتان من سياقاتهما ومراميهما والتوقيتات التي وردت فيهما. تم تفريغهما من تفسيرات ومضامين تعزز الهدف السياسي منهما. بدا الغرض من التراشق المتبادل انعكاس لمشكلة أزلية تعتمل في نفوس شعوب عربية تتعلق بوجود فائض كبير من الاتهامات. ومخزون من حساسيات مختمرة تنتظر فرصة لانفجارها.

واعتقد من يوجهون الاتهامات ومن تكشفت حساسياتهم أن الأجواء التي فرضتها الحرب الإيرانية مناسبة للإعلان عن خلافات قديمة ورواسب دفينة، من دون مراعاة للروافد السلبية التي تفضي إليها هذه النوعية من الحسابات المؤجلة.

لتكون معادلة أمن الخليج خط أحمر يجب التوصل إلى تفاهمات حول الصيغة المناسبة لكل طرف في ظل بيئة إقليمية معقدة. امتلاك آليات محددة لتنفيذ مكوناتها على الأرض وإلا سيتم حصرها في النطاق العاطفي.

ما حدث في السنوات الماضية أن مصر مضت في تقوية جيشها بمفردها وفي وقت مبكر بمساعدة من دول خليجية معينة. غابت الخطط للاستفادة الجماعية من القوة التي بات عليها الجيش المصري. توقف الدعم الخليجي وانكفأت القاهرة على نفسها وسعت إلى استكمال عمليات تحديث المؤسسة العسكرية عبر صفقات مع دول في الشرق والغرب. استكملت دول الخليج روابطها الأمنية مع الولايات المتحدة ودول غربية.

لم تظهر مصر في الواجهة الخليجية الأمنية بسبب خلافات حول تفاصيل بعض القضايا الإقليمية مثل حرب اليمن. ساعدت مصر لوجستيا التحالف العربي بشكل لم يرق إلى تطلعات قائدته المملكة العربية السعودية.

أدت خلافات في طريقة التعامل مع الثورة في سوريا إلى شرخ دون أن يقود إلى خصومة. جرى ترميم الشرخ مع احتفاظ كل طرف بموقفه الخاص به من الترتيبات الأمنيات للمنطقة.

كما أن عبارة مسافة السكة التي رددها الرئيس السيسي كانت بحاجة إلى قوة دفع حقيقية تفتح لها أفقا مواتيا لتنفيذها، وبيئة تسمح ببلورتها في صورة عملية. كلاهما بحاجة إلى اتفاقات عسكرية واضحة المعالم. لن ترسل القاهرة معدات عسكرية وجنود دون خطة محددة، على غرار ما حدث في التحالف الدولي الذي شكل عام 1990 بعد غزو العراق للكويت. حيث شاركت مصر بقوة عسكرية كبيرة من المشاة.

ما تجاهله النقاش بين مصريين وخليجيين هو وجود اتفاقية للدفاع العربي المشترك لم يتم الاقتراب منها في أي من الحروب التي اندلعت في المنطقة العربية خلال العقود الماضية. ومع أن دولا عربية عديدة دخلت صراعات ونزاعات وحروب داخلية وخارجية لم يتم تفعيلها. يتم استدعاء الاتفاقية والاشارة إليها في بعض مؤتمرات القمة العربية كنوع من الرمزية المعنوية وتذكير بأن هناك أرشيفا عربيا للأمن.

سوف تفرض النتائج الأمنية الناجمة عن الحرب الإيرانية إعادة النظر في منظومة الأمن الحالية وادخال تعديلات عليها كي لا تصبح الدول الست، مجتمعة أو متفرقة، معرضة لتهديدات جديدة من إيران أو غيرها لاحقا.

تتوقف الصيغة المتوقعة على افرازات الحرب. هل سوف تدخل إيران مرحلة من الكمون الإستراتيجي عقب تعرضها لضربات قاسية في بنيتها العسكرية، أم تحتفظ بقدر من القوة يسمح لها بأن تكون لاعبا في المستقبل؟ هل تلجأ دول الخليج إلى تطوير التحالف الأمني مع الولايات المتحدة أم تستعين بدول أخرى، بينها مصر؟