حلفاء إيران ووقف إطلاق النار
يطلق البعض على الجماعات السياسية والمسلحة المؤيدة والداعم لإيران في بعض الدول العربية أسماء متعددة: حلفاء، وكلاء، ميليشيات، وأذرع. لم يظهر اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران أن الأخيرة تخلت عنهم أو يمكن أن تتفاوض حول مصيرهم بما يؤدي إلى فصل العلاقة بين الجانبين.
تظل الأوضاع على ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب. ربما تزداد سوءا مع شعور طهران أنها حققت نصرا سياسيا يمكّنها من عدم التفريط في ورقة الحلفاء حتى الآن، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتمسك بهدفه في الفصل بين طهران والوكلاء في المنطقة، وفقا لما هو معلن من تريتبات أفضت إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، يمكن أن تدخل على مسودته تعديلات بشأن عدد من القضايا الخلافية، من ضمنها الجماعات التي تدور في فلك إيران وتظهر ولاء كبيرا لها وانسجاما لافتا في أهدافهما، وتجد مغنما في تطبيق مسمى وحدة الساحات.
إذا حافظت إيران على العلاقة الوطيدة مع أذرعها في كل من العراق ولبنان واليمن، يمكن القول إن الشرق الأوسط لم يتغير حسب المفهوم الذي راج على لسان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وشدد فيه على أنه تمكن من إعادة هندسة المنطقة على مقاس بلاده وحقق أهدافه الحيوية بعد حروبه في قطاع غزة وسوريا ولبنان ومع إيران أخيرا.
انطلق الوصف أساسا من فكرة القضاء على القدرات العسكرية لكل القوى المناوئة- المقاومة لإسرائيل وهو ما ثبت عدم دقته باستمرار التهديدات القادمة من حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي وجماعة الحوثي في اليمن وإيران.
يمثل حلفاء إيران إزعاجا لبعض دول المنطقة وليس لإسرائيل فقط. يشير استمرار الحالة التي كانوا عليها قبل الحرب الإيرانية عدم حدوث تحول حقيقي وملموس وأن السلام الذي تحدث عنه الرئيس ترامب سوف يكون بعيد المنال. ويؤكد نشاط أو كمون هؤلاء في الدول التي ينتمون إليها عدم الوصول إلى درجة عالية من الاستقرار. المناكفات والتحرشات والتوترات وربما الصدامات سوف تتواصل علاوة على عدم توقف طهران عن فرض إرادتها السياسية في المرحلة المقبلة.
الواضح أن التسوية النهائية بين الولايات المتحدة وإيران لم تغفل هذه الورقة إذا تركتها واشنطن على حالها فهذا معناه أن حلقات الشد والجذب لن تنتهي، والدول التي تعمل فيها هذه الجماعات ستواجه التحديات ذاتها التي عرفتها خلال السنوات الماضية.
دولة مثل لبنان لن تتوقف أزماتها الداخلية وسوف يتسع نطاقها. العراق لن يتمكن من استرداد عافيته على أساس وطني ويبتعد عن الطائفية والمذهبية. جماعة الحوثي قد يزداد نفوذها داخل اليمن ويحدوها أمل نحو تمديده إلى خارجه.
الحاصل أن وقف إطلاق النار بالطريقة التي تم بها لم يحقق الأهداف الأميركية كاملة. حاول الرئيس ترامب التركيز على الجوانب العسكرية المباشرة وتسويقها كصورة للنصر الحاسم، لكن نتائج هذه النوعية من الحروب تقاس دائما بالمستويات الاستراتيجية التي تأتي بعدها الأمر الذي يبدو في غير صالح الولايات المتحدة خاصة أن إيران تحاول منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار الإيحاء بأن واشنطن استجابت لجميع مطالبها وفي مقدمتها عدم التفريط في ورقة الوكلاء.
إذا تمكنت واشنطن من تغيير هذه المعادلة في أثناء المفاوضات التي تنطلق في إسلام آباد يوم الجمعة ونجحت في الحصول على تنازلات من طهران، في هذه الحالة سيكون الحلفاء جزءا من التغيير الذي لن تتوقف إسرائيل ودول أخرى عن السعي لحدوثه خوفا من تصاعد دورهم بعد أن ذهبت مؤشرات عدة إلى التعامل معهم بحسبانهم جزء من الماضي الذي يجب تجاوزه.
وجود الجماعات الموالية لإيران واستمرار تأثيرها في التوازنات الإقليمية يعزز التقديرات التي تقول إن لا شيء تغير في الشرق الأوسط.
إذا أخفقت الولايات المتحدة في الضغط على إيران قسريا أو اقناعها سياسيا بالتخلي عن ورقة الوكلاء، فإن المنطقة سوف تكون أمام حلقة أخرى من التصعيد المفتوح قد يأتي بعد شهور أو سنوات، فالاحتفاظ بهم بعد حرب شرسة تعرضت لها إيران يؤدي إلى تطوير العلاقة معهم وهو اتجاه يأخذ أحد مسارين، الأول: استمرار الدعم العسكري لهم سرا، وبلا سقف أو ضوابط. وهذا يشير إلى أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكن من إجبار طهران على التخلي عن أذرعها المزعجة.
والثاني: تقنين وظيفتهم، بكلام آخر التركيز على تطوير الأداء السياسي ضمن المنظومة الداخلية لدول لبنان والعراق واليمن على حساب الأداء العسكري كفعل مقاوم ضد إسرائيل.
في هذه الحالة يحصلون على وضع متميز ويصبح تأثيرهم أشد ضراوة وفائدتهم لإيران تزداد عمقا وتتوسع مساحاتها ومناوراتها ويتم استبدال النفوذ الخشن بآخر ناعم تتمكن طهران من خلاله تطويع المشهد الإقليمي بطريقة مختلفة.
يقول خبراء إن إيران المجروحة سوف تلجأ إلى الانكفاء على الداخل لتعويض خسائرها الباهظة، إلا أن الخبراء الذين يعرفون جيدا القواعد التي تأسس عليها النظام الحاكم في طهران والأدبيات التي يعتمد عليها الحرس الثوري لديهم تقديرا مختلفا، حيث يعتبر نفسه خرج منتصرا في هذه الحرب، ونجح في تفويت الفرصة على تحقيق الأغراض التي سعى إليها رئيس أكبر امبراطورية في العصر الحديث.
أوجدت هذه الصورة تضخما ماديا ومعنويا في الذات الإيرانية يدفع قادة الحرس الثوري إلى البحث عن ممارسة دور إقليم يتناسب مع المخرجات التي وصلت إليها طهران عقب موافقة واشنطن على وقف إطلاق النار والتعامل مع شروطها العشرة كأساس للتفاوض في الأيام المقبلة، وبينها وقف الحرب على جميع الجبهات من دون التطرق حاليا إلى ضرورة وجود تحول في العلاقة مع الوكلاء.
ينطوي ترك الولايات المتحدة ملف أذرع إيران بلا مقاربة تنهي العقدة على رغبة ضمنية بالتحضير لجولة أخرى. مواصلة الارتباك الذي تحدثه هذه الجماعات في الدول التي تنشط بها وعدم تفكيك الإزدواجية التي تتسبب فيها. منح إسرائيل فرصة لاتخاذ إجراءات عقابية ضد لبنان بذريعة أن حزب الله حافظ على قدراته العسكرية ويمثل تهديدا لها ما لم يتم نزع سلاحه من جانب الحكومة اللبنانية. تساعد العلاقة الرمادية التي يمكن أن تصل إليها واشنطن على عدم الكف عن إعادة الكرّة (الحرب) مرة أخرى واستهداف إيران والحلفاء في أي مرحلة لاحقة.