فوبيا المصريين من الحروب الخارجية
القاهرة - تأقلم الكثير من المصريين مع النتائج الاقتصادية السلبية الناجمة عن مشاركة بلدهم في حروب خارجية منذ عقود. تحملوا الأعباء ولم تعلن الفئات البسيطة تمردا ظاهرا أو خفيا. تتحمل دوما جزءا كبيرا من التكلفة الباهظة. على العكس كان هناك تلاحم وتكاتف وتكيف وعدم رفض لما أفرزته من تقشف. قبول بما تتخذه الحكومة من إجراءات للحد من التبعات الاقتصادية. كشف ذلك عن فهم لطبيعة التحديات. سهّل على الحكومات السابقة تنفيذ خطواتها للحد من الآثار السلبية للحروب.
يبدو الوضع مقلوبا الآن. كلما اندلعت حرب في الإقليم، وربما في العالم، تضع شريحة من المصريين أياديها على قلوبها خوفا من الروافد الاقتصادية التي سيتحملها المواطن البسيط. مع أن مصر ليست طرفا مباشرا في أي من الحروب التي اندلعت خلال الأعوام الماضية أو لها علاقة بالكوارث الطبيعية التي اجتاحت العالم، إلا أن فوبيا أو مخاوف جديدة بدأت تلازم فئة كبيرة منهم. حيث تزداد أسعار السلع والخدمات الحيوية. تفرض الحكومة تقشفا صارما انتقائيا وتتخذ إجراءات تثير الغضب منها.
عندما اندلعت الحرب بين روسيا وأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 وتوقفت سلاسل امدادات النفط والغاز والقمح وسلع أخرى، عانت مصر بسبب استيراد كميات قمح كبيرة من البلدين المتحاربين. فرضت الحكومة تقشا. زادت أسعار السلع التي لها علاقة بالحرب (الطاقة والخبز)، وتلك التي ليس لها علاقة بها.
تكفي الزيادة في سلعة واحدة لتجر معها زيادات مركبة في غالبية السلع المرتبطة بها والبعيدة عنها أيضا. تكرر المشهد نفسه مع اندلاع الحرب في السودان. وقيام إسرائيل بممارسة سلسلة طويلة من الاعتداءات على قطاع غزة.
تكرر الموقف أخيرا مع الحرب الإيرانية. عززت القناعات بأن الحروب الخارجية أصبحت وبالا على شريحة عريضة من المصريين. كما أن الكوارث الطبيعية، سواء أكانت قاصرة على بلد معين أو العالم كله، لها ارتدادات واسعة على الواقع المصري.
عندما شهدت ليبيا فيضانات قبل نحو عامين شعر مواطنون بروافدها الاقتصادية السلبية وهم لا يدرون كيف ولماذا حدث ذلك. بعد انتشار فايروس كورونا منذ حوالي ستة أعوام وشعر العالم كله بويلاته، عانى المصريون كثيرا من الإغلاقات مثل بقية الدول، بجانب زيادة كبيرة في جميع أنواع السلع المستوردة والمصنعة محليا.
بعيدا عن خطط الحكومة بشأن تنفيذ برنامج صارم للإصلاحات الاقتصادية، لا أحد في مصر يعلم الأسباب الحقيقية لزيادة الأسعار، ولماذا تصر الحكومة على تعويض خسائرها المادية من جيوب المواطنين وحدهم؟
يقول البعض إن التضخم وانخفاض قيمة المعملة المحلية مقابل الدولار سبب رئيسي للأزمة. بحكم استيراد أنواع عديدة من السلع بالعملات الصعبة وعدم التوسع في الصناعات المحلية. لكن يرد عليهم آخرون بعدم حدوث انخفاض في الأسعار عندما يتحسن موقف الجنيه ويتراجع الدولار. السلعة التي ترتفع لا تنخفض مرة أخرى.
يسود هذا الاعتقاد للدرجة التي لا أحد يصدق وعود رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي بأن انخفاض أسعار النفط والغاز في العالم سوف يؤدي إلى انخفاض أسعار الطاقة. ما لم يقله صراحة أن الأزمة مرشحة للاستمرار فترة طويلة وبالتالي سوف يواجه العالم زيادة كبيرة في أسعار الطاقة.
لدى المواطنين تجارب تؤكد أن الأسعار تذهب في اتجاه واحد فقط. اتجاه الصعود وعدم العودة إلى ما كانت عليه سابقا. مهما بلغت الوعود الرسمية والجهود التي تبذلها الحكومة وما تعلنه من تحركات لضبط الأسواق، لم يحدث أن لمس مصريون انخفاضا في أسعار السلع. يشبهون هذه المعادلة بالعنقاء والخل الوفي. كلاهما من النادر حدوثه.
حاول وزير الدولة للإعلام الصديق ضياء رشوان تهدئة خواطر المصريين مع آخر فورة في أسعار الطاقة وما نجم عنها من زيادة تلقائية في سلع أخرى عقب نشوب الحرب الإيرانية، تخفيف حدة الصدمة الاقتصادية الواقعة على كاهل المصريين. أسعفته الذاكرة بمقارنة بين ما يستطيع شراؤه الحد الأدنى لأي موظف في مصر (7 آلاف جنيه = 140 دولارا) من خبز، وبين يستطيع نظيره في فرنسا (نحو ألفي دولار) من السلعة ذاتها. لم يمد الوزير الخط الاقتصادي على استقامته لتثبيت سرديته.
أوقعت هذه المقارنة رشوان في فخ مواقع التواصل الاجتماعي الذي لا يرحم أي مسؤول كبير. تعرض الوزير إلى انتقادات مختلفة. بعضها وصل حد السخرية من المقارنة ذاتها. بعضها استغل الموقف لإقامة الحجة على خطأ التصورات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة.
لم تفلح جهود رشوان في توضيح رؤيته الصحيحة وتوصيل رسالته بدقة. تسبب اجتزاء كلامه وخروجه عن سياقه أحيانا في تعرضه إلى اتهامات مغرضة. أقلها أنه لم يفلح في عرض وجهة نظر الحكومة للرأي العام وضاعف من إحراجها.
اختزلت التجاذبات الناجمة عن زيادة الأسعار في البعد الاقتصادى وما ترتب من نتائج صعبة على قطاع كبير من المصريين يعاني أصلا من ويلات التضخم وفقدان الجنيه المصري لجزء من قيمته الحقيقية. تناسى البعض توافر عناصر الأمن والاستقرار السياسي والنأي عن الصراعات التي تعم دول عديدة في المنطقة. أخفقت الحكومة في عرض رؤيتها السياسية وتعزيز قناعاتها بصواب خطواتها الاقتصادية.
اتهمت الحكومة بأنها تضاعف الأعباء على المواطنين من خلال رفع أسعار السلع والخدمات بطريقة بعيدة عن الصواب. تجد في ما يعرف بـ"الجباية" أو فرض الضرائب وسيلة أساسية لزيادة العوائد من جيوب المواطنين. أُخذ عليها أنها لا تتبنى أفكارا اقتصادية خلّاقة تقود إلى تحسن اقتصادي نوعي على المدى القريب.
تلجأ إلى زيادة الأسعار كوسيلة سهلة لتعويض خسارة سريعة. مضمونة في عواقبها الشعبية. لا أحد يميل إلى التحريض والتصعيد وسط تطورات إقليمية عاصفة. لا أحد يريد انجرار مصر إلى أي من النزاعات الممتدة بطول المنطقة وعرضها.
تراهن الحكومة على استمرار صبر المصريين. تثق في قدرتهم على استيعاب الصدمات الداخلية. ترى أن النجاح في تجنب الدخول في أي صراعات إقليمية أداة كافية للإقناع بتحمل الزيادات المتواصلة في أسعار السلع عبر متوالية هندسية اقتصادية لا تتوقف عن الدوران.
ما يوصف بـ"الفوبيا" من الحروب الخارجية ينم عن تنمر وتهكم وتفريغ شحنة من الغضب الداخلي. تتناسب مع طبيعة المصريين التي تميل إلى التعامل مع أشد التطورات قسوة بداعبة. تحويل أكثر المواقف حدة إلى سخرية.
بدأ الناس يهمسون بعدم وصولهم إلى مرحلة أعلى من المعاناة الاقتصادية إذا اضطر بلدهم للانخراط في مواجهة على أي من الجبهات الجغرافية الملتهبة. ثمة مناعة اكتسبها المصريون مما حدث لهم خلال السنوات الماضية تجعلهم أكثر صبرا وأقل اعتراضا على الإجراءات الصعبة. هناك من يعتقد أن التأزم الاقتصادي تستفيد منه الحكومة لتمرير قرارات غير اقتصادية وتحقيق أهداف استراتيجية غير معلومة.