الدراما كـمدرسة للآباء في 'كاتالوج'
القاهرة - اهتمت الدراما المصرية بتقديم أنواع مختلفة من القضايا الاجتماعية وحرصت إلى حد بعيد على طرق موضوعات أسرية مهمة على أمل الوصول إلى فئة كبيرة من الجمهور. وتجد في هذه الأعمال ملاذا بسبب ندرة المسلسلات التي تتطرق لملفات تصل بسهولة إلى الوجدان العام للمواطنين، كأن هناك اتفاقا ضمنيا بين القائمين على صناعة الدراما والمشاهدين، قادت لتحوّل التوعية الأسرية إلى قاسم مشترك بين جانبين وجد كلاهما ضالته فيها لتسليط الضوء عليها، ما منحها رواجا مؤخرا.
وجدت أيضا المنصات الأجنبية غايتها في هذه الأعمال. من حيث كونها شيقة وجذابة ومؤثرة وتحظى بمتابعة واسعة، ولا تسبب إزعاجا للطاقم الفني المشارك فيها. بدت وصفة سحرية ترضي الأضلاع الرئيسية الثلاثة: الجهة المنتجة للعمل، المشاركون فيه، والدولة المستهدفة.
في المجمل، تحوي هذه الأعمال أفكارا تلامس وترا حساسا في المجتمع المصري جرى السكوت عنه فترة طويلة. ربما لأنه لم يجد من يجسده بشكل صحيح أو خشية أن يؤدي إلى صدام مع جهات لا تريد نكأ جراح مجتمعية يفضل كثيرون الصمت عليها.
طرقت منصة ''نتفلكس'' بقوة هذا الباب عندما دخلت على خط الإنتاج الدرامي المصري. وهي تعلم أن جمهورها واسع ولا يقتصر على المصريين. لذلك تستهدف اختياراتها أن تكون القضية عامة. إذا رفعت إسم مصر واستبعد الطاقم الفني الذي ينتمي إليها لن تجد غضاضة في تسويقه داخل أي مجتمع. سواء أكان عربيا أم أجنبيا.
مع الاعتراف بخصوصية كل مجتمع، غير أن هناك صفات مشتركة من السهل ملاحظتها في ثقافات عديدة. في مقدمتها الأسرة ومكوناتها الرئيسية: الأب والأم والأولاد. كم من الأعمال الفنية الأميركية والبريطانية والفرنسية والكورية والتركية تطرقت لموضوعات ذات طبيعة أسرية تمت ترجمتها إلى اللغة العربية ووجدت رواجا كبيرا دون النظر إلى الهوية الأصلية للقصة والفكرة التي يدور حولها العمل.
العبرة في النهاية بالمحتوى ومدى ملاءمته لثقافة المجتمع. ولا خلاف في التشابه حول القواعد الرئيسية. التباين يظهر في التفاصيل، وهي تمثل الفروق النسبية لكل مجتمع.
يظل مسلسل "كتالوج" الذي أنتجته نتفلكس وعرض منتصف العام الماضي من أكثر الأعمال الدرامية المصرية انتشارا حتى الآن على المنصة. بطولة محمد فراج وريهام عبدالغفور وسماح أنور وتارا عماد وخالد كامل وغيرهم. تأليف أيمن وتار وإخراج وليد الحلفاوي. يتكون المسلسل من ثمان حلقات. مدة كل منها نحو خمسين دقيقة.
يدور حول أب (يوسف) قام بتجسيده محمد فراج. فقد زوجته (أمينة) وقامت بدورها ريهام عبدالغفور. بعد فترة من المعاناة مع مرض السرطان. تركت له طفلين هما (كريمة) وجسدتها ريتاج عبدالعزيز و(منصور) وجسده الطفل علي البيلي.
قد تكون الفكرة للوهلة الأولى نمطية. ما منحها حداثة وجاذبية أن الأب (يوسف) لا يعلم من أمر أسرته شيئا. أو بمعنى أدق تغيب عنه تفاصيل المنزل. الأم/ الزوجة الراحلة كانت مسؤولة عن كل كبيرة وصغيرة. انصب تركيز الأب/ الزوج الأرمل على عمله. ناجح تماما فيه. يدر له دخلا ماديا جيدا. وفر لأسرته حياة ميسورة.
تظهر المشكلة مع توالي المفاجآت المتعلقة بما يجب على يوسف القيام به من أدوار متشعبة. بدءا من ايقاظ الطفلين للذهاب إلى المدرسة وحتى عودتهما. بين وقبل وبعد هذا الدور توجد العديد من الأدوار الغائبة عنه التي أوقعته في مطبات محرجة مع طفليه. تارة ينسى ايقاظهما مبكرا، وأخرى لا يعلم أن هناك وجبة مدرسية يجب تحضيرها لهما، وثالثة أن هناك مواعيد لباص المدرسة يجب معرفتها والتأقلم عليها. مع كل الأدوار المتشابكة يصاب يوسف بحيرة بالغة. تتدهور علاقته بطفليه. يرتبك عمله ويتعرض لمشكلات. يجد نفسه أكثر عصبية.
عثر على فيديوهات لزوجته الراحلة التي كانت تقدم من خلالها وصفات للتربية الأسرية الصحيحة على قناتها الخاصة على يوتيوب. يلجأ للاستعانة بها ليعرف كيف يتعامل مع طفليه. ينجح مرة ويخفق مرات. يتقدم تدريجيا ويكتشف عالم أسري آخر لم يكن يعرف شيئا عنه بسبب انشغالاته الوظيفية. يستعين بمربية منزل (أم هاشم) وقادمت بدورها سماح أنور. يتعرف على مدرسة طفليه (هويدا) وقامت بدورها تارا عماد. يبدأ يتأقلم مع الظروف الجديدة. لكن يظل مرتبكا وغير قادر على التكيف مع الحياة الأسرية الجديدة مع غياب زوجة كانت تمثل روح وقلب وعقل المنزل.
قد يكون الهدف من هذا العمل نشر الوعي الأسري من خلال الدراما السلسة والعميقة. تغوص في التفاصيل الصغيرة. تجعل من القصص البسيطة مهمة. التفاصيل الهامشية أساسية. حوت رسالة موجهة للمجتمعات، مفادها عدم ترك بعض الأمور تسيرها الصدف. الانتباه إلى أننا نعرف قيمة الأشياء الثمينة عند فقدانها. هذا هو حال يوسف عندما توفيت زوجته أمينة. بدأ يتعلم أساسيات الزواج الناجح عقب رحيل زوجته. بدا مضطربا بين اخلاصه لطفليه وبين عاطفته التي بدأت تتحرك تجاه المدرسة هويدا. الأمر الذي أقلق طفلته كريمة التي تغيرت معالمتها لمدرستها.
تظهر وسط القصص المتفرعة- المتداخلة أخرى انسانية لا تقل أهمية. العم كابتن (حنفي) وقام بدوره خالد كامل يحاول أن يكون قريبا من شقيقه يوسف ويجد في ابنه منصور فرصة لتدريبه على كرة القدم بشكل احترافي. يعرف الطفل أن عمه مصاب بمرض السرطان الذي توفيت بسببه أمه. يقلق ثم يتحول قلقه إلى عاطفة جياشة حيال عمه خوفا من أن يفقده كما فقد والدته. هذه قصة بمفردها تستحق عملا مستقلا لما تنطوي عليه من مشاعر وعواطف وعلاقة إنسانية يصعب وصفها بين الطفل وعمه.
يضاف إلى ذلك فكرة الخال (أسامة) وقام بدوره بشكل كوميدي أحمد عصام السيد الذي يبحث عن زوجة أجنبية تساعده على السفر. توفر له إقامة على أمل أن تمكنه هذه الخطوة من الحصول على الجنسية. وفي النهاية يجد ملاذه في فتاة مصرية. الرسالة هنا تقول إن الزواج المتكافيء يمثل قاعدة أساسية للنجاح. الجري وراء الحصول على منافع والتفكير بصورة برجماتية يقود إلى الفشل أسريا.
توجد قصة أخرى موازية، تتمثل في الجار (القبطان جورج) المنعزل الذي رحلت زوجته فآثر عدم الخروج من منزله وجسد دوره بيومي فؤاد. وهو قصة قائمة بذاتها. يبدو مصاب بفوبيا الاختلاط بالناس. مرتاج لحالة العزلة بإرادته. يعتقد أن العالم انتهى بعد رحيل زوجته. على عكس يوسف الذي يسعى لفهم الحياة. يتخبط ويرتبك. ينال شرف المحاولة لتوفير حياة أفضل لطفليه. يقدم تنازلات ويتعلم مهارات تساعده على استكمال المسيرة في غياب زوجته التي يلجأ إلى ذكرياته معها كلما أصابته الحيرة.
مع أن مسلسل "كتالوج" من أعمال نتفلكس الأصلية، إلا أن الطاقم الفني والبيئة والأجواء العامة والقصة منحته نكهة مصرية خالصة. ما يسهم في زيادة الدور الأسري والتوعوي الذي بدأت تلعبه الدراما. بما يجعلها تتشجع على تقديم أنماط أخرى ذات مرجعية اجتماعية فائقة. مع نجاح "كتالوج" الذي يحمل اسمه مضامين لأفكار كثيرة يمكن تقديم نماذج على المنوال ذاته مع اختلاف القضية الأسرية.







